أخر الأخبار

مصانع السكر في السودان .. طعم الحلو لو يبقي مر

 

د. باسم عباس الطيب
باحث وخبير في علوم السكر

عندما تهمد الحياة في قلاع لم تكن تهدا او تسكن اناء الليل واطراف النهار ، تكفل العيش لشغيلتها و مجتمعاتهم ، وترفد الدولة والناس بريعها ، عندما يصمت الهدير و يختفي الصهد و تجف الجباه الشم ، فمن يرفد جيب الدولة ومن اين تطعم افواه الباطشين من عمال و كوادر وجماعات؟ هذه ليست مجازات او توريات من ترف اللغة انما
هي اسئلة حقيقية تترد اليوم في بيوت كثيرة في مناطق هذه الصناعة السكر في السودان.
هناك، حيث تمتد حقول القصب على مد البصر، وحيث تعود الناس أن يسمعوا صوت المصانع وهي تدور مع مواسم الحصاد، نشأت مجتمعات كاملة عاشت على هذه الصناعة جيلاً بعد جيل.
لكن اليوم
الصوت خفت.
والحركة قلّت.
والقلق دخل البيوت.
في شركات السكر، يعيش آلاف العمال والموظفين وأسرهم ظروفاً معيشية صعبة. مرتبات ضعفت أو توقفت، ومصانع تعطلت، وأسر كانت تعتمد على دخل معلوم أصبحت تواجه واقعاً لا يخلو من القلق والخوف على الغد.
هذه ليست مجرد قصة عمال فقدوا وظائفهم.
هذه قصة مجتمع كامل نشأ حول صناعة السكر.
مجتمع فيه آلاف الأسر التي كانت حياتها مرتبطة بالمصنع:
الأب عامل في الحقل أو المصنع،
الأم تدير البيت،
الأبناء في المدارس والجامعات،
والحياة تمضي على إيقاع موسم الزراعة والحصاد والإنتاج.
اليوم هذا الإيقاع توقف.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من أربعة آلاف أسرة كانت تعتمد مباشرة على دخل قطاع السكر، وأن آلاف الأفراد اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن لقمة العيش.
لكن الخطر لا يقف عند حدود الفقر أو الضائقة المعيشية.
حين تتوقف المصانع وتخلو الساحات، تصبح المنشآت عرضة للضياع. بالفعل بدأت تظهر حالات سرقة طالت كوابل نحاسية وطلمبات وأجزاء من خطوط الإنتاج. وهذه ليست مجرد خسارة لشركة، بل خسارة لأصول صناعية بُنيت عبر سنوات طويلة من الجهد والاستثمار.
والمفارقة أن السودان من الدول التي تمتلك إمكانات كبيرة في هذا المجال. فقد أشارت تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للامم المتحدة (فاو) وكذلك الهيئة العربية للتنمية الزراعية والاستثمار إلى أن السودان يمتلك موارد أرضية ومائية واسعة تجعله مؤهلاً للتوسع في صناعة السكر إذا توفرت الإدارة والدعم المناسبان.
لكن الصناعة ليست أرضاً ومياهاً فقط.
الصناعة في المقام الأول إنسان.
وإنسان السكر في السودان ليس مجرد عامل، بل جزء من مجتمع كامل تشكلت هويته حول هذه الحقول وهذه المصانع.
ولهذا فإن سقوط قطاع السكر لن يعني فقط توقف الإنتاج، بل قد يعني أيضاً تفكك مجتمعات كاملة كانت تمثل نموذجاً لمجتمعات الإنتاج في السودان.
ومن هنا جاءت مبادرة جامعه الجزيره، الجامعة التي نشأت أصلاً لخدمة المجتمع الزراعي. فقد بادر معهد السكر مع عدد من كليات الجامعة إلى إطلاق مبادرة علمية مجتمعية لدعم قطاع السكر وإعادة تأهيله.
هذه المبادرة تقوم على تسخير البحث العلمي والخبرة الأكاديمية لدراسة مشكلات القطاع واقتراح حلول عملية في مجالات الزراعة والتصنيع والإدارة والتمويل، مع إشراك الطلاب والباحثين في البحث عن مخارج واقعية يمكن أن تساعد في إعادة تشغيل هذا القطاع الحيوي.
فالجامعات في أوقات الأزمات لا ينبغي أن تقف موقف المتفرج، بل يجب أن تكون جزءاً من الحل.
لكن إنقاذ قطاع السكر لن يتحقق بجهد علمي فقط.
الدولة مطالبة بالنظر إلى هذا القطاع باعتباره أحد الأصول الاستراتيجية للاقتصاد الوطني.
والبنوك ورجال الأعمال وشركات المدخلات الزراعية
ديوان الزكاه
منظومه الصناعات الدفاعيه
مدعوون أيضاً للمساهمة في إنعاشه. فهذه الصناعة تمثل سوقاً مهماً لكثير من الأنشطة الاقتصادية، وانهيارها لن يضر العاملين فيها وحدهم.
إن الاستثمار في قطاع السكر اليوم ليس مجرد دعم اجتماعي، بل هو استثمار في استقرار اقتصادي ومجتمعي.
لقد مر السودان بمحطات صعبة كثيرة، لكنه ظل دائماً قادراً على النهوض حين تتكامل الإرادة الوطنية مع العلم والعمل.
واليوم يقف مجتمع السكر أمام مفترق طرق.
إما أن نجد له طريقاً للحياة…
أو نتركه يواجه مصيره وحده.
والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا بصدق:
إذا إندثرت مصانع السكر…
فماذا سيفعل الإنسان والمجتمع والدولة ال ؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ عز من قائل،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى