بقلم: د. عبدالناصر سلم حامد
مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في فوكس السويد، وباحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب
يشهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولًا عميقًا لا يمسّ توزيع القوة فحسب، بل يطال تعريفها ذاته. لم تعد الهيمنة تعني السيطرة المباشرة على إقليم بعينه، أو فرض الامتثال عبر منظومة ضغط مركزية، كما كان الحال في ذروة الأحادية القطبية بعد الحرب الباردة، بل باتت ترتبط بقدرة الدولة على العمل داخل فضاء استراتيجي مفتوح ومتعدد الفاعلين دون التعرض للإقصاء منه. لا يعكس هذا التحول مجرد إعادة توزيع في موازين القوى، بل انتقالًا في منطق إدارتها: من احتكار المجال إلى إدارة التوازنات داخله ضمن بيئة دولية أكثر سيولة وتعقيدًا، حيث تتعدد القنوات وتتقاطع المصالح وتتآكل صلابة المركز.
يمكن توصيف هذه المرحلة بمفهوم “النفوذ الشبكي”، وهو نمط من ممارسة القوة تتوزع فيه أدوات التأثير عبر عقد متداخلة داخل شبكة واسعة، بحيث لا تحتكر دولة واحدة المجال الاستراتيجي بالكامل، بل تسعى إلى تثبيت موقع مؤثر داخله، وضمان استمرار نفاذها، ومنع منافسيها من احتكاره. في هذا السياق، لا تقوم القوة على السيطرة المطلقة، بل على ضمان الوصول والاستمرار والتأثير من داخل شبكة مفتوحة. لم يعد السؤال: من يملك المجال؟ بل من يستطيع العمل داخله دون إقصاء، ومن يملك القدرة على منع انغلاقه في وجهه؟
يختلف هذا النمط عن التعددية القطبية الكلاسيكية التي كان ميزان القوى فيها يقوم على أقطاب محددة تتوازن قدراتها بوضوح، كما يختلف عن الأحادية القطبية التي سمحت بفرض عزلة شاملة أو احتواء كامل لخصوم بعينهم. ووفق ما تشير إليه أدبيات الواقعية البنيوية في العلاقات الدولية، فإن توزيع القدرات يظل عاملًا حاسمًا، غير أن صلابته تتراجع عندما تتشعب مصادر القوة وتتداخل قنوات النفوذ. النفوذ الشبكي لا يفترض مركزًا واحدًا صلبًا ولا صراعًا ثنائيًا حاسمًا، بل شبكة متحركة تتقاطع داخلها التحالفات المرنة والاتفاقات الاقتصادية والترتيبات الأمنية والأدوات المالية. وفق هذا المنطق، تصبح القدرة على التموضع أهم من القدرة على الاحتكار، ويغدو النفوذ قابلًا للتوزع بدل أن يكون قابلًا للاحتكار الكامل.
تبرز أفريقيا، وخصوصًا منطقة الساحل، بوصفها نموذجًا مبكرًا لهذا التحول. فمنذ عام 2020، شهدت دول عدة في المنطقة تغيرات سياسية وأمنية أعادت رسم خرائط النفوذ التقليدي. الانقلابات العسكرية والتحولات في الشراكات الأمنية لم تُفضِ إلى استبدال مركز نفوذ بآخر بصورة كاملة، بل إلى إعادة توزيع للعلاقات داخل شبكة أكثر تعقيدًا. القرار الأميركي برفع إدراج وزير الدفاع المالي ساديو كامارا من قائمة العقوبات، بعد أن ارتبط إدراجه بالتعاون مع مجموعة فاغنر التي أُعيد تنظيم جزء من شبكاتها ضمن ما عُرف بـ“فيلق إفريقيا”، يعكس إدراكًا بأن أدوات الضغط الأحادية لم تعد تضمن نتائج حاسمة عندما تتوافر بدائل سياسية وأمنية واقتصادية متعددة.
الساحل الممتد من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو، مرورًا بتشاد وموريتانيا، شهد انسحابًا فرنسيًا من مالي عام 2022، كما أُعلن في 2024 عن إنهاء الوجود العسكري الأميركي في النيجر. غير أن هذه التطورات لم تؤدِّ إلى احتكار بديل كامل، بل إلى إعادة توزيع للمواقع داخل شبكة أمنية واقتصادية متعددة المستويات. تتداخل عقود الموارد مع ترتيبات الحماية العسكرية، وتتقاطع البنية التحتية مع الاتفاقات الدفاعية، بحيث يصبح المجال ساحة لإعادة التموضع المستمر لا لسيطرة أحادية طويلة الأمد.
يرتبط هذا التحول بسياق أوسع من تفكك المركزية الاستراتيجية في النظام الدولي. فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى بعد 2014، تراجعت قدرة أي طرف على فرض عزلات مطوّلة أو احتكار أدوات التأثير لفترات طويلة. تنوع قنوات التمويل، وازدياد عدد مورّدي السلاح، ومرونة الشراكات الثنائية خارج الأطر التقليدية، جميعها عوامل قلّصت فاعلية الاحتواء التقليدي. لم يعد النظام المالي الدولي قادرًا على إغلاق المجال بالكامل أمام أي فاعل يمتلك بدائل كافية، ما جعل إدارة النفوذ أكثر واقعية من محاولة احتكاره.
إلى جانب البعد البنيوي، يبرز العامل الجيو-اقتصادي. فالذهب في مالي وبوركينا فاسو، واليورانيوم في النيجر، والمعادن الحيوية في مناطق أخرى، تمنح الترتيبات الأمنية بُعدًا اقتصاديًا ممتدًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. حماية موقع تعدين أو تأمين طريق إمداد يتحولان إلى ركيزة نفوذ طويلة الأجل تعيد تشكيل شبكات الاقتصاد السياسي المحلي والدولي. كما أن التطورات في السودان وتأثيرها على البحر الأحمر تضيف بعدًا بحريًا حاسمًا، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية في أحد أهم الممرات التجارية عالميًا. يصبح الأمن هنا أداة لإعادة تنظيم مسارات الطاقة والتجارة، لا مجرد مسألة دفاعية داخلية.
العامل الثالث يتمثل في مرونة الفاعلين المحليين. فقد باتت الدول المتوسطة والصغيرة أكثر ميلًا إلى تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها على مركز واحد. لم يعد تنويع العلاقات يُقرأ بوصفه اصطفافًا أيديولوجيًا، بل كاستراتيجية لإدارة المخاطر وتعظيم هامش القرار الوطني. هذا السلوك يحوّل الدولة إلى عقدة تفاوضية داخل شبكة أوسع، بما يعقّد أي محاولة لاحتكار المجال بصورة كاملة.
ارتفعت كذلك تكلفة الاحتكار. فالانتشار العسكري طويل الأمد يتطلب موارد مالية وسياسية كبيرة، بينما تتزايد حساسية الرأي العام في الدول الكبرى تجاه الانخراط الخارجي الممتد. كما أن مخاطر الاستنزاف في البيئات الهشة تجعل السيطرة المباشرة أقل استدامة وأكثر عرضة للتآكل. التجارب الممتدة خلال العقدين الأخيرين عززت قناعة بأن إدارة المجال عبر ترتيبات مرنة أقل كلفة من محاولة إخضاعه بالكامل.
هذا النمط لا يقتصر على أفريقيا. ففي شرق أوروبا، كما في أجزاء من الشرق الأوسط وآسيا، يتكرر تراجع قابلية الاحتكار الكامل مقابل تصاعد إدارة النفوذ عبر شبكات متشابكة من القواعد العسكرية، والعقود الاقتصادية، والتحالفات المرنة. التنافس بين القوى الكبرى لم يختفِ، لكنه أصبح أقل ميلًا إلى الحسم النهائي وأكثر اعتمادًا على التموضع المرحلي وإدارة المخاطر بدل السعي إلى الهيمنة الكاملة.
في ضوء ذلك، يتغير تعريف القوة جذريًا. لم تعد القوة تُقاس بامتلاك المجال بحدود مغلقة، بل بمرونة الحركة داخله، وبالقدرة على الحفاظ على عقدة مؤثرة ضمن شبكة متعددة المستويات. النفوذ لم يعد ملكية حصرية، بل حضورًا مستدامًا. الدولة التي تستطيع منع انغلاق المجال أمامها، حتى دون أن تحتكره، تظل محتفظة بموقعها في معادلة التنافس الدولي.
في المحصلة، لا يمثل النفوذ الشبكي مجرد توصيف لمرحلة عابرة، بل يعكس إعادة تعريف عميقة لمنطق الهيمنة ذاتها. تتحول القوة من مشروع امتلاك إلى عملية إدارة، ومن سيطرة حدودية إلى حضور تشبيكي، ومن احتكار جامد إلى توازن ديناميكي قابل لإعادة التشكل باستمرار. في عالم تتآكل فيه مركزية القرار وتتعدد فيه مسارات التأثير، لا تكون الدولة الأقوى هي التي تسيطر على المجال، بل التي تضمن ألا يُغلق في وجهها، وتحافظ على قدرتها الدائمة على إعادة التموضع داخله
