قال الله تعالى:
“إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)”
هذه السورة المباركة تحمل في طياتها بشارة عظيمة للمؤمنين بأن النصر من عند الله، وأن الفتح لا يأتي إلا بعد صبر طويل وثبات على الحق. فهي إعلان اكتمال الرسالة، وتأكيد أن النصر ليس نهاية المطاف بل بداية عهد جديد من التسبيح والاستغفار، لأن القوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، وإنما في الإيمان واليقين بالله.
وفي واقع السودان اليوم، يعيش الشعب معركة الكرامة بكل تفاصيلها، صابرًا محتسبًا، ملتفًا حول جيشه الوطني وقواته المساندة، مدركًا أن الدفاع عن الأرض والعرض واجب مقدس. هذا الصبر يشبه صبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى جاءهم نصر الله، وهو ما يجعل السودانيين أكثر ثباتًا رغم التحديات والمؤامرات التي تحيط بهم من بعض دول الجوار.
فقوله تعالى: “إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ” يذكّرنا بأن النصر وعد إلهي لا يتخلف، وأنه لا يتحقق إلا بالصبر والثبات، وهو ما يعيشه السودان اليوم في مواجهة الضغوط والتآمر الخارجي بروح عالية من الثبات.
أما قوله تعالى: “وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا” فهو إشارة إلى أن النصر الحقيقي لا يُقاس فقط بالسيطرة العسكرية، بل بقدرة الأمة على الحفاظ على هويتها ووحدتها، وهو ما يجعل معركة الكرامة السودانية معركة هوية ووجود، وليست مجرد مواجهة عسكرية.
ثم يأتي التوجيه الإلهي في قوله تعالى: “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا” ليؤكد أن النصر لا ينبغي أن يقود إلى الغرور، بل إلى مزيد من التواضع والرجوع إلى الله، لأن الاستغفار هو صمام الأمان بعد كل نصر، وهو ما يجب أن يكون نهج السودان اليوم وهو يواجه التحديات بروح إيمانية عالية.
سورة النصر مدنية، وهي تتحدث عن فتح مكة الذي أعز الله به المسلمين، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وكان الإخبار بفتح مكة قبل وقوعه من أظهر الدلائل على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام. وتسمى سورة التوديع، وحين نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لعائشة: “ما أراه إلا حضور أجلي”. وقد أجاب ابن عباس رضي الله عنهما عندما سأله سيدنا عمر رضي الله عنه بحضور كبار الصحابة: ما تقول في قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟ فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، فقال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك، (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). فقال سيدنا عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تقول.
نصر الله يشمل جميع الفتوحات، فعطف عليه فتح مكة تعظيمًا لشأن هذا الفتح، والذي كان في رمضان.
آخر القول
إن سورة النصر تعلمنا أن النصر الحقيقي هو من عند الله، وأنه لا يتحقق إلا بالصبر والثبات، وأنه حين يأتي يكون واجب المؤمن هو التسبيح والاستغفار لا الغرور. والسودان اليوم يسير على هذا الدرب، صابرًا محتسبًا، واثقًا أن النصر قريب، وأن الكرامة ستعود للوطن مهما تكاثرت المؤامرات، لأن وعد الله حق، وخصوم السودان عند الله يجتمعون.
كسرة
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت اظنها
لاتفرج
(فتح من الله ونصرقريب)

