أخر الأخبار

حد القول – حسن السر – موائد الصمود: عودة الإفطارات الجماعية في الخرطوم

 

في قلب الخرطوم، حيث أثقلت الحرب كاهل الناس وأثرت على تفاصيل حياتهم اليومية، عادت مشاهد الإفطارات الجماعية لتضيء ليالي رمضان من جديد. هذه العودة ليست مجرد عادة اجتماعية، بل هي رمز حي لصمود المجتمع السوداني وقدرته على التمسك بروح التضامن رغم الظروف القاسية.

منذ اندلاع الحرب التي شنتها مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية ، غابت تلك الموائد التي كانت تجمع الجيران والأصدقاء في الساحات والمساجد، وتحولت لحظات الإفطار إلى طقوس فردية يغلب عليها الحذر والانعزال. لكن هذا العام، كسرت الخرطوم حاجز الخوف، وعاد الناس ليجتمعوا حول موائد بسيطة، يقتسمون ما توفر من طعام، ويستعيدون دفء الروح الجماعية التي طالما ميزت المجتمع السوداني.

الإفطارات الجماعية في هذه الظروف تحمل دلالات عميقة؛ فهي إعلان غير مباشر أن الحرب لم تنجح في تفكيك الروابط الاجتماعية، وأن قيم الكرم والتكافل ما زالت أقوى من أي محنة. كما أنها تعكس رغبة الناس في إعادة بناء الثقة والأمل، عبر أبسط مظاهر الحياة اليومية مثل مشاركة وجبة الإفطار.

موائد الرحمن التي ينفق عليها الخيرون طوال شهر رمضان المبارك تمثل قيمة وملجأ لبعض المتعففين أو الذين لا يملكون حق الفطور. هذه الموائد تُقدَّم بكل حب، وبعضها ربما ينساب بكل إنسانية إلى الداخليات التي لا تخلو من طالبات في رمضان، وذلك بالتنسيق مع صندوق رعاية الطلاب. إضاءة أخرى في موائد رمضان تظهر في الطرقات العامة، حيث يقطع السودانيون الطريق على المارة وقت الإفطار، ليس لنهبهم كما يفعل الجنجويد، وإنما ابتغاء الأجر والثواب.

أما التراويح في مساجد العاصمة الخرطوم فتلك حكاية أخرى؛ إذ يحلل الصائمون إفطارهم على عجل، وبعد صلاة المغرب يسابقون الزمن طلباً للفرصة في مسجد السيدة سنهوري مثلاً، حيث يؤم المصلين كبير المحبرين الشيخ الزين محمد أحمد. فمن يجد فرصة هناك كأنما حيزت له الدنيا بما فيها، حيث التجليات القرآنية في شهر القرآن. وهذه إشارة أخرى إلى عودة الروح بعد ذهاب الظمأ وابتلال العروق وثبوت الأجر. عودة الخرطوم هي عودة للروح.

آخر القول
عودة الإفطارات الجماعية في الخرطوم ليست مجرد حدث اجتماعي، بل هي رسالة أمل وصمود. إنها دليل على أن المجتمع السوداني، رغم الجراح، ما زال قادراً على التمسك بروح الوحدة، وأنه يجد في أبسط الطقوس الجماعية وسيلة لمقاومة العزلة واليأس. فموائد الإفطار هذه، وإن كانت متواضعة، تحمل في طياتها وعداً بمستقبل أكثر تماسكاً وإنسانية.

كسرة
نحنا الضيفنا ما بننزل طريف الحلة
ونحنا الما بنعيش بين الخلوق في ذلة
ونحنا وكان عطينا بندي لي وجه الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى