أخر الأخبار

رحمة عبدالمنعم يكتب: ( مشاد)… صوت الإنسان في زمن الحرب

 

منذ اندلاع الحرب في السودان بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، لم تعد المعركة تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى ميادين أخرى لا تقل أهمية: ميادين الإغاثة، والتوثيق، والدفاع عن الضحايا، وحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي،وفي هذا السياق برزت منظمة مشاد كأحد النماذج التي حاولت أن تؤدي دورها في ظروف بالغة القسوة والتعقيد.

وعلى امتداد العامين الماضيين، وجدت المنظمة نفسها أمام واقع إنساني غير مسبوق، حيث الملايين من النازحين، وانهيار واسع في الخدمات الصحية، وتدمير في البنية التحتية، وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت مشاد إلى العمل الميداني المباشر، فوفرت دعماً إنسانياً متنوعاً شمل المساعدات الصحية والتغذوية، والدعم النفسي، والمساعدات النقدية المباشرة التي ظلت، بالنسبة لآلاف الأسر، شريان حياة في لحظة انقطاع شبه كامل لمصادر الدخل.

ولم يكن دور (مشاد) محصوراً في الإغاثة المباشرة، بل امتد إلى دعم استمرارية الخدمات الأساسية،فقد ساهمت المنظمة في صيانة وتأهيل مراكز صحية في العاصمة، في وقت أصبحت فيه المؤسسات الطبية تواجه تحديات غير مسبوقة، كما دعمت استدامة مصادر المياه عبر توفير الطاقة البديلة، وهي جهود قد تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في جوهرها دفاع عن حق الناس في الحياة اليومية.

ومن المبادرات التي تحمل دلالة إنسانية عميقة، برامج إعادة التأهيل وتوفير الأطراف الصناعية للأطفال وذوي الإعاقة المتضررين من الحرب،فالحروب لا تنتهي حين تتوقف المعارك، بل تستمر في أجساد الذين أصيبوا ،وفي ذاكرة الذين نجوا، ومثل هذه المبادرات تحاول أن تعيد شيئاً من التوازن إلى حياة اختل ميزانها فجأة.

وعلى صعيد آخر، أدركت مشاد أن معركة الحقيقة لا تقل أهمية عن معركة الإغاثة، فالحرب، في عصر الإعلام، تُخاض أيضاً بالكلمة والصورة والرواية،ومن خلال آلاف المقابلات الصحفية والتلفزيونية، أسهمت قيادة مشاد في نقل صوت الضحايا إلى الرأي العام، وكسر التعتيم الإعلامي، وتقديم روايات موثقة تستند إلى شهادات وأدلة ميدانية، وهو جهد كان له أثر واضح في تصحيح كثير من الصور المغلوطة.

ولم يقتصر الحضور على المنابر الإعلامية، بل امتد إلى المحافل الدولية، حيث شاركت المنظمة في ندوات وفعاليات داخل مقار الأمم المتحدة، وقدمت تقارير وشهادات إلى دبلوماسيين وخبراء ومنظمات حقوقية. ومثل هذا العمل، وإن بدا بطيئاً في نتائجه، يشكل جزءاً أساسياً من بناء مسارات المساءلة القانونية، وحفظ حقوق الضحايا من أن تضيع في زحام السياسة.

وقادت مشاد في مجال الرصد والتوثيق جهوداً منهجية لجمع الأدلة والشهادات وفق المعايير الدولية، وهو عمل يتطلب صبراً ودقة وإيماناً بأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم ما دام هناك من يحفظ الوقائع ،غير أن ما يميز تجربة المنظمة ربما هو بعدها الوطني، إذ لم تنظر إلى العمل الحقوقي بوصفه نشاطاً منفصلاً عن قضايا المجتمع الكبرى، بل ربطت بين الإغاثة، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وأطلقت مبادرات للحوار وجمع الصف، انطلاقاً من قناعة بأن حماية السودان ليست مهمة مؤسسة واحدة، بل مسؤولية جماعية تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً يتجاوز الاستقطاب.

ولعل هذا المعنى هو ما يجعل تجربة مشاد جديرة بالتوقف عندها، فهي تذكرنا بأن العمل الإنساني، في جوهره، ليس مجرد أرقام وتقارير، بل هو دفاع يومي عن الكرامة الإنسانية وإن القيمة الحقيقية لأي جهد لا تُقاس بضجيجه، بل بقدرته على أن يخفف عن الناس بعضاً من ثقل الأيام،وفي زمن تتسع فيه دائرة الألم، تبدو مثل هذه التجارب أشبه بنقاط ضوء صغيرة قد لا تبدد العتمة كلها، لكنها تذكّر بأن في هذا العالم دائماً من يختار أن ينحاز إلى الإنسان، حتى في أكثر اللحظات قسوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى