في مساءٍ اختلطت فيه مشاعر
الحزن بالفخر، والدموع بالامتنان، احتضن منزل الراحل الأستاذ عثمان عمر الشريف مراسم تأبينٍ استثنائية، لم تكن مجرد فعالية اجتماعية أو مناسبة بروتوكولية، بل بدت وكأنها لحظة إجماعٍ إنساني نادرة، اجتمعت فيها المدينة بكل أطيافها لتوديع رجلٍ لم يكن مجرد فردٍ في مجتمعها، بل أحد أعمدته الصلبة ووجوهه المضيئة.
حضور يعكس قيمة الراحل
لم يكن المشهد عادياً. فقد توافدت إلى منزل الفقيد وجوه تمثل مختلف دوائر الحياة العامة: قيادات سياسية، رموز المجتمع المدني ، شخصيات ثقافية وفنية، أعلام المسرح، ممثلو الأندية الرياضية وعلى رأسها نادي الأهلي، إضافة إلى رجالات الولاية ووجهائها، ومشايخ الطرق الصوفية، وحَمَلة القرآن الكريم، ومنشدي المدائح النبوية، وأصحاب الحضرات.
ورموز القوي المشتركه
هذا التنوع في الحضور لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كان التعبير الأكثر صدقاً عن اتساع أثر الراحل، وعن المساحات الكثيرة التي امتدت إليها بصماته الإنسانية والاجتماعية والثقافية. فقد بدا واضحاً أن الرجل لم يكن قريباً من فئة دون أخرى، بل كان نقطة التقاءٍ نادرة بين مجالات تبدو متباعدة، لكنها اجتمعت حول اسمه وذكراه.
في كلمات تستعيد سيرة لا تغيب
تعاقبت الكلمات، وكل كلمة كانت تحمل وجهاً مختلفاً من سيرة الأستاذ عثمان عمر الشريف. تحدث رجالات الولاية عن حكمته واتزانه وقدرته على جمع الناس حول القضايا الكبرى. واستعاد أهل المسرح مواقفه الداعمة للحراك الثقافي، وإيمانه بأن الفن رسالة ووعي ومسؤولية.
أما ممثلو نادي الأهلي، فقد تحدثوا عن انسان لم يكن اداري فقط في نادي الاهلي ، بل داعمٌ حقيقي لمسيرة الشباب والرياضة، مؤمناً بأن بناء الأجيال يبدأ من المساحات التي تصنع الانضباط والانتماء.
وتحدثت الطرق الصوفية عن رجلٍ عرفوه في مجالس الذكر والخير، قريباً من الناس، واسع القلب، حاضر الروح. بينما صدحت أصوات المدائح النبوية بما يشبه العزاء الروحي الجمعي، فبدت الكلمات وكأنها تربط الأرض بالسماء، والذاكرة بالدعاء.
صوت الأسرة… الوجع النبيل
لكن أكثر اللحظات تأثيراً كانت حين تحدثت الأسرة.
وقفت ابنته ندى عثمان عمر الشريف،نيابه عن الاسره بصوتٍ يحمل ارتجاف الفقد وثبات الكبرياء، لتقدم شهادة ابنةٍ لم تفقد أباً فحسب، بل مدرسةً كاملة من القيم. تحدثت عنه كأبٍ قبل أن يكون رمزاً، كإنسانٍ عاش للآخرين قبل أن يعيش لنفسه، وكحضورٍ لا يمكن أن يختفي مهما غاب الجسد.
أما الأستاذ هيثم الشريف، فقد قدّم كلمتة التي بدت كوثيقة وفاء، استحضرت مسيرة حياةٍ كاملة من العطاء، وأكدت أن إرث الراحل ليس مجرد ذكريات، بل مسؤولية ممتدة في ضمير من عرفوه ومن تعلموا منه.
وحين يتحول التأبين إلى معنى
لم يكن التأبين مجرد استعادةٍ لسيرة ماضية، بل كان إعلاناً ضمنياً عن قيمة الإنسان حين يعيش أثره في الآخرين. بدا واضحاً أن عثمان عمر الشريف لم يترك خلفه فراغاً فقط، بل ترك أيضاً معياراً لما يمكن أن تكون عليه الحياة حين تُبنى على الخدمة، والكرم، والانفتاح، وحب الناس.
في تلك الأمسية، لم يكن الحضور يودع رجلاً بقدر ما كان يحتفي بمعنى. معنى أن يعيش الإنسان بحيث يصبح غيابه حدثاً عاماً، وأن يتحول اسمه إلى مساحة مشتركة من الذكر الطيب.
ذاكرة لا تنطفئ
مع ختام مراسم التأبين، ظل الشعور الغالب أن الرجل لم يغادر فعلاً. فقد بقي حاضراً في الكلمات، وفي الدموع، وفي الدعوات، وفي ذلك الإجماع النادر الذي لا تصنعه المجاملات، بل تصنعه السيرة الصادقة.
كان التأبين في منزل الأستاذ عثمان عمر الشريف أكثر من مناسبة رثاء… كان شهادة مجتمعٍ كامل على حياةٍ استثنائية، ورسالة صامتة تقول إن بعض الناس لا يرحلون تماماً، لأنهم يواصلون العيش في أثرهم، وفي القيم التي زرعوها، وفي المحبة التي تركوها ممتدةً بين الناس.
الزين اب شنب يكتب : تأبين رجل بقامة وطن
