ليست الاستقالة في حدِّ ذاتها هي الخبر.
الخبر الحقيقي هو الظرف الذي وُلدت فيه.
فحين يستقيل عضو في مجلس السيادة في بلدٍ يعيش واحدة من أعقد مراحله التاريخية، فإن السؤال لا يكون: لماذا غادر؟
بل: ماذا يحدث في الداخل حتى أصبحت المغادرة خيارًا؟
السودان اليوم ليس دولةً في حالة عادية.
هو دولة في قلب عاصفة.
حربٌ تعيد رسم الجغرافيا السياسية.
اقتصادٌ يتنفس عبر أنابيب الطوارئ.
علاقات خارجية تتحرك على إيقاع المصالح لا العواطف.
وإعادة ترتيب صامتة لمراكز القوة.
في مثل هذا المناخ، لا تكون الاستقالة مجرد قرار شخصي.
تتحول إلى مؤشر.
⸻
نعم… قد تُقرأ الاستقالة باعتبارها ترسيخًا لآدبٍ سياسيٍ نفتقده؛
ثقافة تحمّل المسؤولية،
أو احترام الضمير،
أو الاختلاف بشرف.
لكن يبقى السؤال الأعمق الذي يشغل الرأي العام داخليًا وخارجيًا:
هل الاستقالة هي الحدث؟
أم أنها انعكاسٌ لحدثٍ أكبر لم يُعلن بعد؟
الشعب السوداني اليوم لا يبحث عن الأسماء بقدر ما يبحث عن الاتجاه.
إلى أين تسير الدولة؟
من يعيد تشكيل المشهد؟
هل نحن أمام مراجعات داخلية عميقة؟
أم أمام إعادة هندسة للمرحلة القادمة؟
الناس لم تعد تندهش من تبدّل المواقع،
بل من غياب التوضيح.
فالسياسة في لحظات التحول لا تحتمل الصمت الطويل.
وكل فراغ في التفسير تملؤه التأويلات.
⸻
إن كانت الاستقالة تعبيرًا عن موقفٍ أخلاقي،
فهي خطوة تُحترم.
وإن كانت جزءًا من إعادة ترتيب أكبر،
فهي رسالة غير مكتوبة ينبغي قراءتها بعينٍ فاحصة.
لكن المؤكد أن الحدث الأكبر الذي يشغل الداخل والخارج ليس مغادرة شخصٍ للمنصب،
بل شكل السلطة القادمة،
وتوازناتها،
وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تتشكل الآن في رحم المعركة.
السودان يقف عند مفترق تاريخي.
وأي حركة في قمّة الهرم ليست تفصيلاً.
الاستقالة قد تكون عنوانًا،
لكن المتن الحقيقي يُكتب في مكانٍ آخر.
وهنا…
يبدأ السؤال الذي لا يريد أحد أن يطرحه بصوتٍ عالٍ:
هل نحن أمام تصحيح مسار؟
أم أمام إعادة توزيع أوراق؟
أم أمام فصلٍ جديدٍ لم تُرفع ستارته بعد؟
في السياسة، أحيانًا يكون الغياب أكثر ضجيجًا من الحضور.
وأحيانًا يكون الصمت أخطر من البيان.
والسودان اليوم لا يعيش حدثًا صغيرًا…
بل يتحرك داخل حدثٍ أكبر من كل العناوين.
⸻
إذا أردت، يمكن أن أزيد حدّة المقال أكثر، أو أجعله أكثر تحليلًا واستراتيجيًا بلغة أعمق موجهة للنخبة السياسية

