شكلت محطة سياسية لافتة في مسار التعاطي الأوروبي مع الحرب في السودان، إذ نقلت النقاش من الإطار الإنساني البحت إلى مستوى سياسي وأمني أكثر وضوحاً وجرأة.
فلم تعد الأزمة تُعرض فقط باعتبارها مأساة إنسانية تستدعي الإغاثة، بل طُرحت داخل مؤسسة تشريعية أوروبية مؤثرة باعتبارها نزاعاً ذا أبعاد إقليمية ودولية، يرتبط بتدفقات السلاح والدعم الخارجي، وبمسؤوليات سياسية تتجاوز الحدود السودانية.
أولاً: رفع مستوى النقاش من إنساني إلى سياسي
أهمية الجلسة تكمن في أنها سلّطت الضوء على قضايا كانت تُناقش غالباً في الأوساط البحثية أو الإعلامية، لكنها دخلت هذه المرة إلى قاعة البرلمان الفرنسي:
– طرح دور بعض الدول الإقليمية في تغذية الصراع.
– مناقشة الانتهاكات المنسوبة إلى «قوات الدعم السريع».
– الربط بين الدعم الخارجي واستمرار الحرب وتعثر الحلول السياسية.
عندما يُذكر اسم دولة بعينها في نقاش رسمي داخل البرلمان الفرنسي، فإن ذلك يخلق تكلفة سياسية ومعنوية، ويعني أن الملف لم يعد إنسانياً فقط، بل أصبح ملفاً سياسياً وأمنياً على طاولة أوروبا.
وفرنسا، بحكم ثقلها داخل الاتحاد الأوروبي وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، قادرة على تحويل مثل هذه النقاشات إلى توصيات أو مواقف تضغط على الحكومة الفرنسية، وقد تمتد آثارها إلى السياسات الأوروبية الأوسع.
ثانياً: إعادة تشكيل السرد الدولي للحرب
الجلسة عكست صراعاً واضحاً في السرديات حول طبيعة ما يجري في السودان:
– هل هي حرب داخلية معزولة؟
– أم صراع مدعوم إقليمياً؟
– أم مواجهة بين دولة ومليشيا تتلقى دعماً خارجياً؟
عندما يربط نواب أوروبيون بين:
– الدعم الخارجي
– الانتهاكات ضد المدنيين
– استمرار تدفق السلاح
فإنهم يعززون سردية أن الحرب ليست شأناً داخلياً خالصاً، بل نزاعاً ذا امتدادات إقليمية، وهو ما قد يغيّر طريقة تعامل المجتمع الدولي معه، سواء على مستوى العقوبات أو الرقابة على تدفقات السلاح أو الضغط الدبلوماسي.
أبرز النقاط التي برزت في الجلسة
– استشهاد عدد من النواب بمعاناة المدنيين، وربط تلك المعاناة باستمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي.
– انتقاد صمت بعض العواصم الأوروبية والدولية تجاه تطورات الأزمة.
– دعوات صريحة لسياسات فرنسية أكثر جرأة وفاعلية بدلاً من الاكتفاء بالمواقف التقليدية.
– مطالبة الحكومة الفرنسية بممارسة ضغط دبلوماسي على الشركاء الإقليميين والدوليين لوقف تسليح الفصائل المتورطة في الانتهاكات.
– توجيه انتقادات مباشرة إلى دور دولة الإمارات، واعتبارها – وفق ما طرحه بعض النواب – جزءاً من شبكة دعم تسليح «قوات الدعم السريع»، مع دعوات لباريس للضغط على أبوظبي لوقف أي دعم يسهم في إطالة أمد النزاع.
دلالات سياسية أوسع
ربط الدعم الخارجي بتمادي الحرب وتأخر الحلول السياسية يعكس تحوّلاً في فهم بعض الدوائر الأوروبية لطبيعة الأزمة. فبدلاً من التركيز على جهود الوساطة فقط، بدأ يظهر طرح يتحدث عن:
– ضرورة تجفيف منابع الدعم العسكري،
– فرض تكلفة سياسية على الجهات المتهمة بتغذية الصراع،
– تحميل المجتمع الدولي مسؤولية أكبر في كبح تدفق السلاح.
في المحصلة، لم تكن الجلسة مجرد نقاش عابر، بل مؤشر على أن الحرب في السودان بدأت تدخل مرحلة جديدة من التعاطي الأوروبي، حيث يتزايد الربط بين البعد الإنساني والبعد الجيوسياسي، وبين معاناة المدنيين وشبكات الدعم الإقليمي.
وهذا التحول – إن تراكم وتطور – قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة المواقف الأوروبية، وعلى مستوى الضغط السياسي والدبلوماسي المرتبط بالملف السوداني.
