
كلام سياسةالصافي سالم
بعد انتصارات قواتنا المسلحة والقوات النظامية الأخرى، وارتواء أرض المعركة بدماء الشهداء، وتلاحم الشعب السوداني مع جيشه في معركة الكرامة، بدأت وزارة الخارجية والتعاون الدولي رحلةالتحوّل الكبرى نحواستعادة مكانة السودان الخارجية، وكشف الانتهاكات، والبحث عن السلام،والتبشير بمبادرات الدولة، وعلى رأسها مبادرة دولة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وغيرها من المبادرات الوطنية. فالدول لا تصنع حضورها بالخطب العالية، ولا الظهور الإعلامي، بل برجال يعرفون متى يتقدّمون، وكيف يفتحون الأبواب المغلقة، وبأي لغة يخاطبون العالم. وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، وبعد تعيين السفير الوزير محيي الدين سالم، تُعدّ أهم أدوات استعادة الوزن السياسي والدبلوماسي للدولة، بما يمتلكه من خبرة وحكمة وقدرة على إدارة الملفات الحساسة بروح المسؤولية الوطنية. يسانده في ذلك وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي السفير الشاب معاوية عثمان خالد وأعضاء البعثات السودانية لدول المهجر في الداخل والخارج الذين يتمتعون بخبرات كبيرة جعلت من هذا التحرك والنجاح ممكنًا.إن المتابع لمسار العلاقات السودانية الإثيوبية وما يدور في محيط القرن الإفريقي، يدرك أن السفير محيي الدين لا يتحرك بمنطق ردّ الفعل، بل بعقلية الاستباق، ولا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يعمل على إعادة صياغة العلاقات بما يخدم المصالح العليا للبلاد. ومن هنا تأتي أهمية منحه مساحة أوسع من الصلاحيات تتناسب مع حجم التحديات وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي. وقبل التوقف عند القمة الإفريقية التاسعة والثلاثين التي تحتاج إلى قراءة معمّقة في توقيتها ومخرجاتها، فإن مشهدالتحركات الجارية في أديس أبابا وحده يكشف الكثير. فقد التقى أمس عدة لقاءات في يوم واحد؛ حيث التقى وزير الخارجية بالمبعوث الفرنسي للقرن الإفريقي في قصر الضيافة الرئاسي، وعقد سلسلة لقاءات متوازية مع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة للسودان، والمبعوث الأممي للمنطقة، والسفير الإيطالي، على أن يواصل نشاطه بلقاء المبعوث السويسري.
هذه الكثافة في التواصل ليست مجاملة دبلوماسية ولا حركة شكلية، بل تعبير واضح عن عودة السودان إلى دائرة الاهتمام الدولي ونجاحه في إعادة فتح قنوات الحوار مع مراكز التأثير الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تمثل مخاطبة الوزير المرتقبة اليوم لمجلس السلم والأمن الإفريقي محطة سياسية بالغة الأهمية تحمل في طياتها رسائل تتجاوز اللحظة الراهنة وتمتد إلى مستقبل موقع السودان داخل الاتحاد الإفريقي.أما الصورة العامة للمشهد فهي الأبلغ تعبيراً عن واقع جديد للدبلوماسية يؤكد أن الدولة السودانية بدأت تستعيد أدواتها وتعيد ترتيب بيتها الخارجي وتتحرك بثقة بعد سنوات من الارتباك والغياب. ما يجري اليوم ليس عملاً موسمياً ولا محاولة لتجميل الصورة، بل هو مشروع وطني متكامل لإعادة بناء السياسة الخارجية على أسس المهنية والتوازن والمصالح الوطنية العليا. إنها عودة الدولة، لا عبر الشعارات ولا عبر الصراعات، بل عبر الدبلوماسية الهادئة والعمل المتقن والحضور الذكي. وهكذا يمضي السودان خطوةً خطوة نحو استعادة مكانته وتكريس احترامه وتثبيت موقعه في محيطه الإفريقي والدولي.



