
السلطة حين تُمارَس بروح المسؤولية تكون تكليفاً…
وحين تُمارَس بروح الامتلاك تتحول إلى سُكرٍ ثقيل، يعمي البصيرة قبل أن يعمي الأبصار.
ما حدث مع موظف الأراضي الأستاذ آيات الله المأذون، الحافظ للوائحه وسجلاته، في مواجهة شقيقة أحد رؤساء الدولة السودانية من موقعها عضواً بمجلس السيادة، ليس مجرد واقعة إدارية عابرة؛ بل هو مرآة تعكس جوهر الأزمة التي تضرب جسد الدولة حين تختلط الحدود بين النفوذ والقانون.
“سكرات السلطة” ليست توصيفاً أدبياً فحسب، بل حالة نفسية وسياسية تصيب بعض من اعتلوا المنابر العليا، فيتوهمون أن الدولة إرثٌ عائلي، وأن المؤسسات ساحات خاصة، وأن الموظف العام ينبغي أن ينحني لا أن يحتكم للنصوص.
الأستاذ آيات الله المأذون لم يكن خصماً لأحد، ولم يكن صاحب موقف سياسي، بل كان أميناً على سجل، واقفاً خلف لائحة، متمسكاً بإجراء.
وظيفته أن يحمي الحق العام، لا أن يفتح أبواب الاستثناء لمن علا شأنه أو ارتفع اسمه.
لكن في لحظة السكر بالسلطة، تتبدل المعايير:
يصبح الالتزام بالقانون تحدياً،
وتتحول النزاهة إلى إساءة فهم،
ويُراد للمؤسسة أن تذوب في إرادة الفرد.
وهنا تبدأ المأساة.
الأنظمة الشمولية لم تسقط فجأة، ولم تهزمها المؤامرات وحدها؛ بل أسقطتها “سكرات السلطة” حين ظن أهلها أن الدولة ملك خاص، وأن القانون أداة قابلة للثني، وأن النفوذ أقوى من المؤسسات.
وفي اللحظة التي يقترب فيها الأجل السياسي، تتحول سكرات السلطة إلى سكرات هزيمة… حيث لا يبقى سوى الندم، ويقف التاريخ شاهداً لا يرحم.
إن الدولة التي لا تحمي موظفاً مثل آيات الله المأذون التزم بالقانون، تفتح الباب واسعاً للفوضى.
والمسؤول الذي يغضب من نصٍ قانوني لأنه لم يخدم رغبته، إنما يطعن هيبة المنصب قبل أن يطعن الموظف.
وفي خضم هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نقول:
شكراً جزيلاً الأستاذ آيات الله المأذون… بأن لا زال ببلادي أتقياء مثلك.
شكراً لأنك اخترت أن تنحاز للنص لا للنفوذ، وللوطن لا للأسماء، وللقانون لا للمجاملة.
وجود أمثالك هو ما يُبقي جذوة الدولة حيّة في زمن الارتباك.
السلطة ليست اختباراً لقوة الشخص، بل اختبار لقدرته على ضبط نفسه أمام القانون.
ومن يعجز عن ذلك، تسكره اللحظة… ويوقظه التاريخ.
التاريخ كتابان كما يُقال:
صفحة للمدح… وصفحة للذم.
وفي كل حادثة كهذه يُكتب سطر جديد:
إما أن يُسجَّل باسم دولة تحترم مؤسساتها وتحمي موظفيها،
أو يُدوَّن تحت عنوان “سكرات السلطة”.
حبرٌ من نار…
لأن الصمت في حضرة القانون المكسور، خطيئة



