بعد الحرب… القطاع الخاص السوداني يبدأ رحلة التعافي
خسائر القطاع الخاص أرقام بمليارات الدولارات
القطاع الخاص شريك رئيسي في إعادة الإعمار:ؤية وحلول مع رئيس اتحاد أصحاب العمل
الخرطوم : حفية نورالدائم – انتصار فضل الله
رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها القطاع الخاص بعد الحرب، شهد القطاع الخاص بوادر تعافي تدريجية، مع عودة بعض المستثمرين لاستئناف أعمالهم خطوة بخطوة. ويأتي هذا التعافي رغم التحديات العديدة التي فرضتها الحرب، بما في ذلك توقف الإنتاج، تعطّل سلاسل التوريد، وفقدان آلاف فرص العمل، وهو ما يجعل عودة النشاط الاقتصادي عملية دقيقة تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الحكومة والقطاع الخاص.
في هذا الحوار الحصري، يلقي الأستاذ معاوية البرير، رئيس اتحاد عام أصحاب العمل السوداني، الضوء على خطط إعادة النشاط الاقتصادي، وأهم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لدعم المستثمرين وإعادة استقرار الأسواق، والفرص الاستثمارية الواعدة التي يتيحها مسار إعادة الإعمار. كما يتحدث البرير عن دور القطاع الخاص كشريك أساسي في صياغة السياسات الاقتصادية وتحويل الرؤية الوطنية إلى خطوات عملية على الأرض، بما يسهم في استعادة الثقة في السوق السوداني، وخلق فرص عمل جديدة، وضمان استدامة النشاط الاقتصادي على المدى الطويل فالي مرابط الحوار :
*هل فاجأت الحرب القطاع الخاص أم كانت هناك مؤشرات تحذر منها ؟
طلاقًا، لم يكن هناك أي توقع حقيقي بوصول الأوضاع إلى حرب شاملة بهذا المستوى من الدمار والاتساع. ففي الأيام، وحتى الساعات التي سبقت اندلاع القتال، كانت المصانع تعمل بصورة طبيعية، والمشاريع الزراعية تمضي في دوراتها الإنتاجية المعتادة، كما أن حركة التجارة والخدمات كانت تسير دون مؤشرات إنذار حادة.
كان المشهد العام يوحي بأن مؤسسات الدولة تتعامل مع الوضع بصورة اعتيادية، ما عزز قناعة المستثمرين بأن أي توتر سياسي لن يتجاوز كونه أحداثًا محدودة وقصيرة الأجل. بناءً على ذلك، واصل القطاع الخاص نشاطه بثقة واطمئنان، دون إعداد خطط طوارئ واسعة.
وعندما اندلعت الحرب، جاءت بمثابة صدمة كاملة. لم تكن هناك استعدادات أو سيناريوهات بديلة لدى معظم أصحاب الأعمال، فاضطروا لإخلاء المنازل والمصانع والمزارع على عجل، تاركين وراءهم معداتهم وبضائعهم وأصولهم على أمل العودة بعد أيام أو أسابيع. إلا أن طول أمد القتال واتساع نطاقه حوّل تلك المغادرة المؤقتة إلى خسارة فعلية وممتدة، لم تكن في حسبان القطاع الخاص ولا المجتمع ككل.
*ما حجم الخسائر الاقتصادية الفعلية التي تكبدها القطاع الخاص حتى الآن؟
رغم عدم توفر حصر نهائي شامل حتى الآن، تشير المؤشرات العامة إلى أن الخسائر التي تكبدها القطاع الخاص بلغت مستويات مليارية. وما تضرر لم يكن مجرد منشآت هامشية، بل أصولًا إنتاجية كبرى تمثل ركائز أساسية للاقتصاد الوطني، بما في ذلك المصانع الكبرى، والمزارع الإنتاجية، وشركات الخدمات الحيوية، والمرافق التجارية المهمة.
هذه الخسائر لا تعكس فقط أضرارًا مادية مباشرة، بل تتعداها لتشمل توقف النشاط الإنتاجي، وفقدان آلاف فرص العمل، وتعطيل سلاسل التوريد والتجارة الداخلية والخارجية. كما أنها أثرت بشكل ملموس على قدرة الدولة على تحصيل الموارد المالية من الضرائب والرسوم، الأمر الذي يعقد خطط التمويل وإعادة الإعمار.
وتشير التقديرات إلى أن التعافي الجزئي لأي قطاع اقتصادي لن يكون ممكنًا إلا عبر جهود منسقة بين الحكومة والقطاع الخاص، مدعومة بتمويل محلي ودولي طويل الأجل، يهدف إلى إعادة بناء القاعدة الاقتصادية الوطنية، وتأهيل البنية التحتية الإنتاجية، وضمان استدامة النشاط الاقتصادي. وفي هذا السياق، يمثل القطاع الخاص شريكًا أساسيًا، ليس فقط كمستفيد من عمليات إعادة الإعمار، بل كمحرك رئيسي للنشاط الاقتصادي والنمو المستدام.
الخسائر على مستوى البلاد أضعاف ذلك. ولا تقتصر الآثار على فقدان الأصول، بل تمتد إلى فقدان آلاف الوظائف وتعطل سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج الغذائي والصناعي، إلى جانب استمرار الالتزامات المالية والديون المصرفية والخارجية.
*ما تقييمكم لمسار التعاون والتواصل مع الحكومة حتى الآن؟
خلال الفترة الماضية، عقدنا سلسلة من الاجتماعات مع رئيس الوزراء، ووجدناه متفائلاً بإمكانية تحقيق السلام والانطلاق نحو نهضة اقتصادية حقيقية، مع وضوح الرؤية لمعالجة الوضع الاقتصادي وإعادة ترتيب الأولويات.
إلا أننا أكّدنا أن أي رؤية مهما كانت متكاملة لن تحقق أهدافها ما لم يُشرك القطاع الخاص بشكل فاعل في صياغتها وتنفيذها، باعتباره يمتلك الخبرة العملية اللازمة لفهم طبيعة الاقتصاد والتحديات وآليات التنفيذ.
وتم الاتفاق على إنشاء آلية مشتركة تضم ممثلين عن أصحاب العمل وعدداً من الاقتصاديين والخبراء، بهدف مواءمة الرؤية الحكومية مع الخبرة التنفيذية للقطاع الخاص. وتجري حالياً الترتيبات لعقد اجتماع موسع بعد شهر رمضان، بمشاركة الوزراء المعنيين وممثلي القطاع الخاص، لمناقشة التفاصيل الفنية والوصول إلى تصور موحد للمرحلة المقبلة.
حول الرؤية العامة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، يؤكد وزير المالية د. البرير أن الرؤية واضحة وتشمل القطاعات ذات الأولوية مثل الزراعة والصناعة والخدمات، مع وجود تصورات عملية لاستعادة النشاط الإنتاجي وخلق فرص عمل واسعة ومستدامة.
فالتحدي الأساسي لا يكمن في غياب الرؤية، بل في ملف التمويل، إذ أن عملية إعادة الإعمار ضخمة ولا يمكن أن تبدأ إلا بعد توقف الحرب وترسيخ السلام، لأن التمويل الدولي والإقليمي مرتبط مباشرة بالاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
*كيف ينظر السودان إلى المصادر والتمويل اللازم لإعادة الإعمار بعد الأزمة؟
ادرك السودان أن كلفة إعادة الإعمار بعد الأزمة الحالية تفوق قدراته المالية بمفرده، لذا فإن دوره الأساسي ينصب على وضع إطار واضح لإدارة هذه المرحلة بحكمة وشفافية. وفي هذا السياق، يولي السودان أهمية كبيرة لدعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج، إلى جانب الشركاء الدوليين الذين يساهمون في تعزيز جهود البناء وإعادة الاستقرار الاقتصادي.
وليس الحديث مقتصرًا على تقديم مساعدات محدودة أو عاجلة، بل يتجاوز ذلك إلى إقامة شراكات استراتيجية وتمويل طويل الأجل، يهدف إلى إعادة بناء البنية الاقتصادية بشكل متوازن ومستدام، مع التركيز على تعزيز الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمارات، وضمان أن تستفيد كافة القطاعات الاقتصادية من هذه الجهود بما يدعم النمو ويعيد الثقة في السوق السوداني.
*ما يحدث الآن في بعض المدن يُعد جزءًا من إعادة الإعمار أم مجرد إصلاحات مؤقتة؟
هناك فرق جوهري بين إعادة الإعمار وتهيئة المدن لعودة المواطنين. فإعادة الإعمار تعني تنفيذ مشروعات كبرى تشمل بناء مدن جديدة، وتأهيل المستشفيات والمدارس، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل واسعة ومستدامة، بهدف بناء قاعدة اقتصادية واجتماعية قوية. أما ما يحدث حالياً فهو مرحلة تهيئة أولية، تتضمن إزالة آثار الدمار، وتنظيف المناطق، وإعادة الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، وهي خطوات ضرورية ومهمة لكنها لا تمثل إعادة الإعمار بالمعنى الاقتصادي الشامل.
*إلى أي مدى نجح التنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص في تحويل الرؤية الاقتصادية إلى خطوات عملية؟
عُقدت سلسلة من الاجتماعات مع رئيس الوزراء، الذي أبدى تفاؤلاً حقيقياً بإمكان تحقيق السلام والانطلاق نحو نهضة اقتصادية واسعة، مع وجود رؤية واضحة للمرحلة المقبلة. وأكد أن أي خطة حكومية للنهوض بالاقتصاد لن تحقق أهدافها دون تمكين القطاع الخاص من لعب دوره الفاعل والقيادي، باعتباره المحرك الأساسي للإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل. فالنجاح الاقتصادي مرتبط بشكل مباشر بالشراكة الحقيقية بين الدولة والمستثمرين، وضمان أن يكون القطاع الخاص شريكًا نشطًا في صياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية لتحقيق التنمية المستدامة.
*ما الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به اتحاد أصحاب العمل في هذه المرحلة ؟
اتحاد أصحاب العمل،
هو الممثل الرسمي للقطاع الخاص، شريكًا أساسيًا في كل ما يتعلق بصياغة وتنفيذ السياسات الاقتصادية. فالمعرفة والخبرة العملية تكمن لدى المنتجين والمستثمرين على الأرض، وليس فقط في المكاتب، إذ إن الرؤى النظرية وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد قوي ومستدام. ومن هذا المنطلق، تم الاتفاق على إنشاء آلية مشتركة تضم القطاع الخاص وخبراء اقتصاديين، لتكون منصة حقيقية وفاعلة لصنع القرار الاقتصادي، تعكس الواقع الميداني وتضمن أن تكون السياسات عملية ومرتبطة بالاحتياجات الحقيقية للسوق والمستثمرين.
*ما الخطوة المقبلة لتنفيذ هذه الرؤية؟
يُجرى حالياً الترتيب لعقد اجتماع موسع بعد شهر رمضان يضم الوزراء المعنيين والقطاع الخاص، ويمتد لعدة أيام بهدف الخروج بتصور موحد وملزم يمهّد لبدء التنفيذ الفعلي. المرحلة القادمة تتطلب شراكة حقيقية في القرار والمسؤولية، لأن النهضة الاقتصادية لن تُفرض من أعلى، بل تُبنى بالشراكة مع من يديرون عجلة الاقتصاد على أرض الواقع.
*ما هي نسبة عودة القطاع الخاص لمزاولة أعماله بشكل طبيعي؟
رغم أن نسبة عودة النشاط الاقتصادي لا تزال منخفضة إذا نظرنا إلى الاقتصاد الوطني ككل، إلا أن هناك مؤشرات إيجابية على عودة عدد كبير من رجال الأعمال لمزاولة أعمالهم بعد توقف طويل. وكان التحدي الأساسي يتمثل في إقناع المستثمرين وأصحاب الأعمال بالعودة، خاصة بعد الصدمة الكبيرة التي سببتها الحرب، ويمكن القول إن هذا الحاجز تم تجاوزه إلى حد كبير، مما يعكس رغبة قوية لدى القطاع الخاص في المشاركة بفاعلية في جهود التعافي وإعادة الإعمار.
ومع ذلك، يواجه العائدون مجموعة من الإشكالات العملية التي تعرقل سرعة استعادة النشاط الكامل، أبرزها مشكلات الطاقة وانقطاع الخدمات الأساسية، فضلاً عن تعدد الجبايات وغياب التنسيق بين الجهات المختلفة، ما يزيد من الأعباء المالية والإدارية على المستثمرين. كما أن التعقيدات المتعلقة بالأراضي والإسكان، وضعف فهم بعض الجهات لدور القطاع الخاص كرافد رئيسي للنشاط الاقتصادي، تشكل تحديات إضافية أمام إعادة التشغيل الكامل للمشاريع.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، فإن القطاع الخاص يواصل جهوده لاستعادة النشاط الإنتاجي والخدمي، ويعمل على تجاوز المعوقات خطوة بخطوة، بما يساهم في إعادة حركة الأسواق وخلق فرص عمل جديدة، واستعادة جزء كبير من الناتج الاقتصادي المفقود. وتبقى عودة النشاط الكامل مرهونة بتحسن بيئة الأعمال، وضمان استقرار الخدمات الأساسية، وتعزيز الشراكة الحقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، بما يمكن من بناء قاعدة اقتصادية مستدامة تدعم النمو وتعزز من قدرة السودان على التعافي بعد الأزمة.
*ما المطلوب من الحكومة لإعادة بناء الثقة مع القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار؟
من الضروري أن تضع الحكومة خطة واضحة ومعلنة، تشرح للرأي العام بقدرٍ عالٍ من الشفافية ما الذي سيجري في المرحلة الراهنة، وما الذي سيأتي لاحقًا ضمن مسار زمني محدد. فالقطاع الخاص، بوصفه شريكًا أساسيًا في عملية التعافي والبناء، يحتاج منذ هذه اللحظة إلى رؤية مستقرة وواضحة تساعده على اتخاذ قراراته الاستثمارية بثقة. كما أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بإرساء علاقة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، تقوم على الحوار المستمر والتنسيق المؤسسي، بما يفضي إلى صياغة رؤية مشتركة تحقق المصلحة الوطنية وتدفع عجلة الاقتصاد نحو الاستقرار والنمو
*ماهي أولويات الإعمار خلال المرحلة القادمة؟
يظل إعمار الإنسان هو الركيزة الأولى والأهم، متقدّمًا على إعمار الحجر والبنيان. فترميم النفوس المرهقة، وإعادة لُحمة النسيج الاجتماعي، والاهتمام بالتعليم والتربية الوطنية، تمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة مستدامة. فالإعمار لا يُقاس بعدد الطرق والمصانع والمدارس المشيّدة فحسب، بل بمدى قدرتنا على بناء إنسانٍ واعٍ، متصالح مع ذاته ووطنه، متشبّع بقيم الوطنية والانتماء، وقادر على حماية ما يُشاد من منجزات وصونها للأجيال القادمة. وبعد ترسيخ هذا الأساس الإنساني، يأتي دور إعمار البنية التحتية والخدمات كامتداد طبيعي لعملية بناء الوطن الشاملة.
*ما هي أبرز مخرجات اللقاءات الأخيرة مع الجانب المصري والشركاء العرب، وكيف ستؤثر على إعادة الإعمار؟
شهدت الفترة الماضية سلسلة مكثفة من الورش والاجتماعات التحضيرية، كان أبرزها لقاءاتنا في القاهرة مع اتحاد الغرف التجارية ورجال الأعمال المصريين، والتي ركزت على بحث سبل التعاون الاقتصادي وتعزيز الشراكات بين القطاع الخاص في السودان ونظرائه في مصر. كما شملت الاجتماعات اللجنة الفنية المشتركة بحضور ممثلين عن الجهات الرسمية في كلا البلدين، لمناقشة الخطط العملية لإعادة الإعمار ودعم النشاط الإنتاجي، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات الأساسية.
و أظهر الجانب المصري تفهمًا واسعًا للظروف المعقدة التي يمر بها السودان، وأبدى استعدادًا فعليًا للمساهمة في نقل الخبرات الفنية والإدارية، وتأهيل الكوادر الوطنية، بما يشمل تدريب الشباب وتأهيلهم لمواجهة تحديات سوق العمل بعد الحرب ، وركزت المناقشات على خلق فرص استثمارية مشتركة، وتعزيز التكامل الإقليمي بين القطاعين الخاصين، واستعادة الدور الاقتصادي التقليدي بين البلدين، وهو ما يعكس رغبة واضحة في تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة للنمو المشترك.
هذه اللقاءات تشير إلى أن الشراكات العربية ليست مجرد مساعدات، بل منصات عملية لإعادة بناء القدرات الإنتاجية، واستدامة الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتعزيز المهارات البشرية، وهو ما يمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية التعافي الاقتصادي للسودان بعد الحرب
*هل بدأت الاستثمارات الأجنبية بالعودة إلى السوق السوداني بعد الحرب؟
حتى الآن، لا تزال معظم الوعود المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية في السودان على مستوى تصريحات شفوية أو التزامات مبدئية، ولم تتحول بعد إلى مشاريع فعلية على الأرض. ومع ذلك، تظهر المؤشرات الأولية بعض التفاؤل، خاصة في ظل اهتمام المستثمرين بالفرص التي تتيحها إعادة الإعمار، والقطاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستي
الاستثمارات الأجنبية عادة ما تبدأ بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، كونها أكثر قدرة على التأقلم مع التقلبات الاقتصادية والسياسية، وتوفر فرصًا أسرع لإعادة تشغيل الأعمال وخلق فرص العمل، ثم تتبعها الاستثمارات الكبرى بمجرد استقرار البيئة الاستثمارية وتحسن المناخ السياسي والأمني.
الأولوية الحالية تكمن في بناء بيئة استثمارية واضحة وجاذبة، تتضمن تبسيط الإجراءات، وتوفير الشفافية في القوانين واللوائح، وحماية حقوق المستثمرين، وإزالة أي معوقات بيروقراطية أو مالية. هذا التمهيد ضروري لضمان أن تتحول الوعود إلى خطوات عملية ملموسة، تبدأ بمشروعات صغيرة ومتوسطة تؤسس لاستثمارات أكبر وأكثر استدامة.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز دور الحكومة في تهيئة المناخ الداخلي بما يشمل الاستقرار القانوني، وضمان سيولة الأسواق، وإعادة هيكلة بعض القطاعات المالية الأساسية، إذ أن ثقة المستثمر الأجنبي مرتبطة بشكل مباشر بوضوح السياسات واستقرار العملة والأمن القانوني للمشاريع. فبدون هذه العناصر، قد تتأخر العودة الفعلية للاستثمارات رغم التفاؤل النظري، ما يؤثر على سرعة التعافي الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة للشباب السوداني، ويؤخر استعادة النشاط الإنتاجي في القطاعات الحيوية بعد الحرب.
واستعادة الاستثمارات الأجنبية لا يعتمد فقط على الوعود أو التمويل الخارجي، بل على بناء منظومة متكاملة من التشريعات، والحوافز، والخدمات، والبنية التحتية التي تضمن استدامة المشاريع ورفع الإنتاجية الوطنية.
*ماهي أبرز التحديات التي تواجه القطاع الخاص حاليًا؟.
تتصدّر تحديات الطاقة، ممثلة في شُح الكهرباء وارتفاع تكاليف الوقود، قائمة العقبات التي تواجه القطاع الخاص، إلى جانب صعوبات الحصول على التمويل وضعف السيولة. كما تشكّل الرسوم والجبايات غير القانونية، التي لا تؤول إلى خزينة الدولة، عبئًا إضافيًا يثقل كاهل المستثمرين ويقوّض بيئة الأعمال. ويزيد من تعقيد المشهد تذبذب سعر الصرف وتراكم الديون بالعملات الأجنبية، الأمر الذي انعكس سلبًا على ثقة المستثمرين وعلاقاتهم بالمؤسسات المصرفية. مجتمعةً، تمثل هذه التحديات عوائق حقيقية أمام تعافي القطاع الخاص وانطلاقه بدوره المحوري في إعادة بناء الاقتصاد.
*كيف تقيّمون وضع مجموعتكم وخطط التعافي؟
خسرت المجموعة في ولاية سنار محطة ري متكاملة بقيمة 25 مليون دولار، بينما بلغت الخسائر في مشروع سوبا الزراعي نحو 15 مليون دولار، شملت بنية تحتية وتجهيزات تغطي مساحة تقارب 1200 فدان. أما في القطاع الصناعي، فقد فُقدت أربعة مصانع كاملة مع خطوط الإنتاج والمعدات، إلى جانب كميات كبيرة من المواد الخام المخزنة.
ويصل إجمالي الخسائر في هذه المجموعة وحدها إلى نحو 127 مليون دولار، وعلي الرغم من ذلك، تسعى المؤسسة إلى استعادة النشاط خطوة بخطوة، حيث استعادت نحو 50% من نشاطها مقارنة بما قبل الحرب، مع هدف الوصول إلى نحو 70% من الطاقة التشغيلية بنهاية العام المقبل.”
