أخر الأخبار

مجدي العجب يكتب : فوضى مفوضية العون الإنساني في السودان

انتقادات لأداء مؤسسي مرتبك وتآكل الحوكمة في ظل القيادة الحالية

في ظل واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي يشهدها السودان منذ عقود، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى مفوضية العون الإنساني، الجهة الحكومية المنوط بها تنظيم وتنسيق العمل الإنساني، وسط اتهامات متزايدة بضعف الأداء المؤسسي، وغياب الحوكمة الرشيدة، وتسييس القرار الإنساني.
ويرى فاعلون إنسانيون ومراقبون أن المفوضية، بدل أن تضطلع بدورها كجهاز تنظيمي يسهل وصول المساعدات ويحمي المبادئ الإنسانية، باتت تمثل عائقًا أمام الاستجابة الطارئة، نتيجة ارتباك إداري وغياب رؤية استراتيجية تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها البلاد.
غياب الرؤية وتخبط القرار:.
تُوجَّه انتقادات واضحة إلى قيادة المفوضية بسبب عدم تطوير سياسات طوارئ متكاملة أو خطط استجابة مرنة تواكب الانهيار المؤسسي والنزوح الواسع. وبحسب مصادر عاملة في القطاع الإنساني، فإن القرارات الصادرة عن المفوضية تتسم في كثير من الأحيان بالارتجال، وتفتقر إلى التحليل القائم على الاحتياجات الفعلية والسياق الميداني المتغير.
هذا القصور، وفقًا لمراقبين، أدى إلى ضعف التنسيق، وتباطؤ الاستجابة، وتضارب الإجراءات، في وقت يتطلب أعلى درجات الكفاءة والمرونة.
تسييس العمل الإنساني:.
من أخطر القضايا التي يثيرها فاعلون إنسانيون ما يصفونه بتسييس مفوضية العون الإنساني، سواء عبر الانتقائية في التعامل مع المنظمات، أو استخدام الإجراءات الإدارية كوسيلة ضغط أو تضييق. ويؤكد هؤلاء أن هذا النهج يتناقض مع المبادئ الإنسانية الأساسية المتمثلة في الحياد والاستقلالية وعدم التحيز.
ويحذّر مختصون من أن تسييس العمل الإنساني لا ينعكس فقط على علاقة المفوضية بالشركاء الدوليين، بل يضر مباشرة بالمدنيين، عبر تعطيل وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر تضررًا.
بيروقراطية خانقة:.
تشكو منظمات وطنية ودولية من تصاعد التعقيدات الإدارية، لا سيما في ما يتعلق بإجراءات التسجيل، وتجديد التصاريح، والحصول على الموافقات الميدانية. وبحسب هذه المنظمات، فإن هذه البيروقراطية لم تسهم في ضبط العمل الإنساني أو تحسين جودته، بل أدت إلى تعطيل التدخلات الطارئة، وزيادة تكاليف العمليات، وإضعاف المنظمات الوطنية العاملة في الخطوط الأمامية.
ويرى مراقبون أن هذا النهج يعكس عقلية إدارية تقليدية تتعامل مع العمل الإنساني باعتباره ملفًا أمنيًا، لا نشاطًا إنسانيًا يتطلب الشراكة والثقة.
تهميش الفاعلين المحليين
رغم الخطاب الرسمي الداعم لـ«محلية العمل الإنساني»، تشير تقارير ميدانية إلى أن المنظمات الوطنية تعاني من التهميش والهيمنة الإدارية، في مخالفة واضحة للتوجهات الدولية التي تؤكد أهمية تمكين الفاعلين المحليين باعتبارهم الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.
ويؤكد مختصون أن إضعاف المنظمات الوطنية ينعكس سلبًا على استدامة العمل الإنساني وفعاليته، خاصة في بيئة نزاع معقدة مثل السودان.
أزمة شفافية ومساءلة:.
كما تُسجَّل انتقادات بشأن ضعف الشفافية داخل المفوضية، وغياب آليات واضحة للمساءلة، سواء في ما يتعلق بإدارة المعلومات، أو التنسيق مع وكالات الأمم المتحدة، أو التعامل مع شكاوى المنظمات. هذا الغموض، بحسب مراقبين، أسهم في تعميق أزمة الثقة بين المفوضية وشركائها.
إصلاح مؤجل:.
يرى مراقبون أن أزمة مفوضية العون الإنساني لا يمكن اختزالها في أخطاء إدارية عابرة أو إخفاقات فردية، بل تعبّر عن خلل بنيوي عميق في نموذج إدارة العمل الإنساني برمته. ويؤكد هؤلاء أن استمرار هذا النهج المرتبك، في ظل حرب شاملة وانهيار مؤسسات الدولة، لا يفاقم فقط معاناة المدنيين، بل أدى فعليًا إلى إضعاف ثقة المانحين الدوليين، ما أفقد السودان فرص الحصول على ملايين الدولارات من التمويل الإنساني. وتشير مصادر مطلعة إلى أن بعض الوكالات والمنظمات الدولية اضطرت إلى تحويل دعمها عبر قنوات وواجهات بديلة، أو إلى جهات أخرى خارج إطار المفوضية، بعد تآكل الثقة في قدرتها على إدارة وتنسيق المساعدات بشفافية ومهنية. ويرى مختصون أن الإصلاح بات ضرورة ملحّة، ويستوجب إعادة تعريف دور المفوضية كجهاز مدني تنظيمي مستقل، وتحييد القرار الإنساني عن الحسابات السياسية، وتبني معايير صارمة للحوكمة والشفافية، إلى جانب تمكين المنظمات الوطنية كشركاء حقيقيين، لا كجهات هامشية، في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى