أخر الأخبار

ضل التاية – بروفيسور ابراهيم محمد آدم – إدعاءات التهميش وتأثيراتها على مستقبل السودان(3)

في أدبياتنا نحن السودانيون تجدنا دائماً أكثر ميلاً لمجاراة تأييد موضوع دون التبصر فيه فتجد شخصاً يقول لك أن القبيلة الفلانية سيئة جداً، فتقول له نعم أنهم كذلك، فيقول لك هل عاشرتهم، فتقول لا، ولكنني سمعت أنهم كذلك، وعندما تقول له أن فلاناً المحسن المتفاني المهذب هذا منهم يسقط في أيديه ويقول لك هذا شيءُ عجيب، العجيب هو إصدار الأحكام المعممة واطلاق الكلام على عواهنه، وينطبق هذا على الأحزاب السياسية فعندما تقول إن المنتمين لهذا الحزب كلهم سيئون يقولون لك نعم أنهم كذلك،ولقد عايشت هذا شخصياً فقد نشأت فيها بيئة أنصارية بموجب التنافس السياسي تكره الإسلاميين على سبيل المثال رغم أن قادتهم قد تحالفوا معهم في كثير من الأوقات ، فتجدهم يقولون لك أن هؤلاء تجار دين وأنهم يشترون السكر ثم يلقون به في البحر لترتفع الأسعار، والى يوم الناس هذا لم يمر علي منظر تلك البضاعة الملقاة في البحر. وتارة يقولون أنهم أهل دنيا فترى من حولك فتجدهم من الذين يدافعون عن البلاد بأموالهم وأنفسهم فيتخد الله منهم شهداء ،فإين غرض وعرض الدنيا هنا؟ هل لتغني عليهم بنات الفريق مثلاً؟ وبالطبع لن يسمعوا ذلك الغناء حين موتهم، دعك من أن يستمتعوا به ، والأمثلة على ذلك كثيرة.
في أثناء دراستي الجامعية كانت الروابط الأقليمية تقوم برحلات إلى مناطقها في الإجازات السنوية وقد ذكر لي أحد الزملاء أنهم في رحلتهم إلى ولايتهم وكان حينها أحد قادة الحركات المسلحة لاحقاً وزيراً هناك فتحدثوا معه بروح الطلاب الحماسية أنهم سوف يتمردون من أجل تطوير ولايتهم فحذرهم الوزير من مغبة التمرد الذي لم ينجح في حل قضية الجنوب بل زاد في الأمر ونصحهم برفع مطالبهم سلمياً والانتظار ألف عام أفضل لهم من الحرب، ولكن الغريب في الأمر أن ذات الوزير قاد لاحقاً إحدى الحركات التي اتخذت من العمل المسلح سبيلاً للوصول الى تحقيق رؤيتها.
عقب التخرج في الجامعة مباشرة قرأت للدكتور حينها عبد اللطيف البوني كتاباً عنوانه (البعد الديني لقضية جنوب السودان) فوجدت فيه ضالتي لدراساتي القادمة، وقد كان البعد الديني حاضراً في تلك القضية، وأنا لا أزال في بدايات ترتيباتي الأكاديمية أحلم بأن أسهم عبر الأبحاث العلمية في حل تلك القضية بوسائل أخرى غير البندقية ( بحلك يا قضية بدون صوت بندقية- و أريتو يسيل عرقنا.. بدل ما تسيل دمانا) ، فهل سمع أعضاء الاتحاد الأفريقي لعلي السقيد بألحان الموسيقار يوسف الموصلي وهو يردد هذه الاغنية؟ ومن يدري فإن الغناء السوداني هو سيد الموقف في كافتيريات وفنادق أديس أبابا، فأنشأوا المفوضية الافريقية لإسكات البنادق وعينوا السفير رمضان العمامرة ومن بعده البروفيسور محمد بن شمباس مفوضاً لها ( العمامرة هو حالياً مبعوث الامم المتحدة للسودان وبن شمباس هو رئيس لجنة الاتحاد الافريقي للسودان منذ عامين وحصادهما صفرين ). نعم حملت الرسالة نفس عنوان ذات الكتاب و كانت استمراراً لنفس حقل بحثي للتخرج في قسم العلوم السياسية بجامعة جوبا (Southern Sudan – new dimension of the civil war) اشرف على بحث التخرج ذاك الوالي والمحافظ وضابط الأمن الغيور سابقاً وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا الراحل شارلس جولو بويو.
كان فضل الله علي عظيماً إذ أنعم علي بالبروفيسور عبد اللطيف البوني مشرفاً على رسالة الماجستير تلك إذ لم يضن علي بأي مساعدة ، ثم واصلت المسير في ذات التخصص في الفكر السياسي لدرجة الدكتوراة التي اختصني الله أن أرافق فيها الأستاذ العلم البروفيسور حسن مكي والعالمان من الذين أشرت إليهما في الأدبيات المتعلقة بهذه القضية، ويا لها من رفقة طوفت بي بين كبريات الشعاب والوفود التي تروح وتغتدي بين جنوب السودان وشماله، ومدن كينيا؛ نيروبي و ناكورو ومشاكوس ونيفاشا ولوكيشيكو، وآه من كينيا التي اتخذها الاستعمار مزرعة للاستثمار في مشاكلنا حتى اليوم منطلقاً وموئلاً سياسياً بعد أن تباعدت الحدود بينها وما تبقى من السودان.
وهناك حكاية غريبة حكاها لي أحد قادة الحركات الذي قال أنهم جهزوا له كل شيء ثم قالوا له تعالى إلى المطار ليجد نفسه لاحقاً وزيراً ولائياً ثم اتحادياً والآن هو ضمن قادة المليشيا لأن الدور الذي رسم له هو التمرد، وقد رأينا كيف تم تدمير المجتمعات الأفريقية التقليدية واضطرابها بسبب الغزو الاستعماري، الذي كان يبدأ أولاً بدراسة اجتماعية للقبائل الأفريقية ثم تأتي الكنائس لتقوم بالتبشير والتنصير ومن بعد تأتي الشركات لنهب الخيرات، وفي نهاية الأمر يطلب التجار الاوروبيون الحماية فتأتي الجيوش لتجد الأرض مهاداً، ولكن الديمقراطية المزيفة، والانتخابات المزورة، تحت سمع وبصر وربما تدبير الغرب، جعلت حالات الفقر والعوز تزداد ومشاعر الغبن تتداعى على تلك الأنظمة التي جعلت الشباب الأفريقي يركب الصعاب عبر مراكب الموت للحاق بالدول الأوروبية التي لا تزال تنهب خيرات القارة وتنصب أنظمة موالية لها رغم أنف تلك الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى