السودان يودّع 2025 بين الحرب وصبر الاقتصاد

الحاكم نيوز :

بقلم: أم نعيم النور

منذ مطلع شهر يناير، ظل السودان يواجه واحدة من أعقد مراحله التاريخية، حيث تداخلت التحديات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية، في مشهد يختبر صبر الدولة وقوة مؤسساتها، ويضع الشعب السوداني أمام امتحان قاسٍ في الصمود والوعي الوطني.

أولاً: المشهد الحربي – معركة الدولة لا معركة السلاح فقط

خلال العام، اتخذت المواجهة المسلحة طابعًا أكثر وضوحًا بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى. ورغم تعدد الجبهات وتغيّر موازين القوة من وقت لآخر، استطاعت القوات المسلحة السودانية أن تحافظ على تماسكها المؤسسي، وأن تؤكد – عمليًا لا خطابًا – أنها العمود الفقري لبقاء الدولة السودانية.

الجيش لم يخض معركة عسكرية فحسب، بل معركة سيادة، ووحدة تراب، وحماية ما تبقى من مؤسسات خدمية في ظل استهداف ممنهج للبنية التحتية، والمرافق الصحية، ومصادر العيش. ومع مرور الشهور، برز تطور ملحوظ في إدارة العمليات، والانتقال من رد الفعل إلى الفعل المنظم، وهو ما انعكس على استعادة السيطرة في مناطق استراتيجية، وحماية خطوط الإمداد، وتأمين المدن الحيوية.

ثانيًا: الاقتصاد تحت الضغط – دولة تحاول التنفس اقتصاديًا، دفع السودان ثمن الحرب مضاعفًا. فقد تراجعت قيمة العملة، وارتفعت معدلات التضخم، وتأثرت قطاعات الإنتاج والزراعة والتجارة بشكل مباشر. ومع ذلك، لم ينهَر الاقتصاد كليًا، وهو أمر يُحسب لقدرة الدولة على إدارة الحد الأدنى من الاستقرار المالي في ظروف شبه مستحيلة.

من يناير حتى ديسمبر، اعتمد الاقتصاد السوداني بدرجة كبيرة على صمود المواطن، والتحويلات الخارجية، والنشاط غير الرسمي، إضافة إلى محاولات حكومية لإبقاء الخدمات الأساسية قائمة. ورغم محدودية الموارد، استمرت الدولة في الوفاء بجزء من التزاماتها، وهو ما يؤكد أن المعركة الاقتصادية كانت – ولا تزال – امتدادًا للمعركة العسكرية.

ثالثًا: الجيش والاقتصاد… علاقة بقاء لا ترف

في ظل هذه الظروف، يصبح دعم القوات المسلحة ليس موقفًا عاطفيًا، بل خيارًا عقلانيًا. فغياب الجيش أو إضعافه لا يعني السلام، بل يعني انهيار ما تبقى من اقتصاد، وضياع ما تبقى من مؤسسات، وتحول السودان إلى ساحة مفتوحة للفوضى العابرة للحدود.

إن الجيش السوداني، بكل ما عليه من ضغوط وانتقادات، ظل الحاجز الأخير أمام سيناريو الدولة الفاشلة. ودعمه في هذه المرحلة لا يتناقض مع المطالبة بالإصلاح، بل يسبقها، لأن الإصلاح لا يتم في ظل الفوضى.

خاتمة: عام قاسٍ… لكنه لم يكسر السودان

من يناير إلى ديسمبر، خسر السودان الكثير، لكنه لم يخسر نفسه. لا تزال الدولة واقفة، لا تزال القوات المسلحة تقاتل، ولا يزال الشعب – رغم الألم – يميز بين من يحمي الوطن ومن يتاجر بدمه.

المرحلة القادمة تتطلب وعيًا وطنيًا عاليًا، يضع مصلحة السودان فوق كل الاصطفافات، ويدرك أن دعم الجيش اليوم هو دعم لفرصة السلام غدًا، ولدولة يمكن إعادة بنائها، مهما طال الطريق.

Exit mobile version