لقد وصف كثيرون ثورة ديسمبر المجيدة بأنها ثورة عبقرية، ومن أهم ملامح عبقرية هذه الثورة أن كل أهل السودان قد شاركوا في صناعتها، وهي ثورة لم تصنع في يوم وليلة، ولا بين عشية وضحاها، ولكنها نتاج حراك مستمر لم يتوقف أبدا من أجل التغيير، ومن عبقريات ثورة ديسمبر أن السودانيين جميعا تفاءلوا بها خيرا، ذلك أن كل إنسان وجد فيها نفسه، حتى أن كثيرين من الذين كانوا يحسبون علي الحكومة سعدوا بها، ولو تحدثنا عن الإسلاميين الذين كانت تحكم الإنقاذ باسمهم، فلقد كانوا أشقي الناس بها، ذلك أنهم كانوا مجرد درقة، ودائما ما أقول أن داود بولاد الإسلامي كان أول شهداء النضال ضد الإنقاذ، وأحمد الخير الاسلامي أيضا كان أول شهداء الحراك الأخير، وكل ذلك يحسب ضمن عبقريات ثورة ديسمبر التي تفاءل الناس جميعا، واعتبروها بداية الإصلاح الشامل لمسار الحكم في السودان.
ومن حرص أهل السودان علي نجاح ثورة ديسمبر أنهم ارتضوا جميعا أن تكون قوي إعلان الحرية والتغيير هي الحاضنة السياسية الوحيدة للثورة، رغم أنها لم تضم كثير من مكونات المجتمع السوداني الذي كان كله فاعلا ومشاركا في صناعة الثورة، ولقد فعل السودانيون ذلك حرصا منهم علي وحدة وتماسك نسيج الثورة، والحفاظ علي جذوتها متقدة حتى تحقق كل أهدافها، ولقد كان أول قرار حكيم لقيادة قوي إعلان الحرية والتغيير أنهم تواثقوا علي عدم توزيع المناصب علي أسس حزبية تقوم علي المحاصصة، واتفقوا علي أن تكون الكفاءة هي المعيار الأوحد للترشيح للوظيفة العامة، ولقد التزموا بذلك إلي حد ما في تقديم المرشحين المدنيين لمجلس السيادة، ولكن عندما جاء الدور علي مجلس الوزراء لم يصبروا كثيرا، فسعي بعضهم للخروج عن الاتفاق الذي أبرموه قبل ذلك، وبعد أن كان الاستثناء لمقعدين فقط يمكن أن يكونا لحزبيين، صار كل مجلس الوزراء من الحزبيين، ونالت بعض الأحزاب أغلبية لا تستقيم مع حجمهم الجماهيرى، ولا مع دورهم في الثورة، ولم يكتفوا بالمناصب التي نالوها في مجلس الوزراء، بل صاروا يمكنون لعضويتهم في كل وزارة صارت من نصيبهم، وكان أول أثر سالب لذلك الغضب الذي اشتعل في قلوب شركائهم الآخرين في الحاضنة الذين (خرجوا من المولد بدون حمص) وكان هذا هو السبب الرئيسي في تشتيت قوي إعلان الحرية والتغيير، وشق صفها، وهو السبب وراء المعارك التي دارت بين بعض مكوناتها، ولا زالت تدور، وزاد الطين بلة، أنهم تراجعوا عن كل ما اتفقوا عليه في شأن الولاة المدنيين، فجاء التشكيل كله علي أساس المحاصصة الحزبية، حتى الولايات التي أسموها ولايات هشاشة، واتفقوا أن يكون ولاتها مدنيين أصحاب خلفيات عسكرية، تراجعوا عن ذلك، وأدخلوا تلك الولايات الهشة في دائرة المحاصصة الحزبية.
ولقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن استمرار نهج المحاصصة يوقع ضررا بالغا، بالثورة، وبحاضنتها السياسية وبالسودان كله من قبل ومن بعد، وتحضرني في هذه اللحظة مقولة للرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري يقول فيها (الثورة تراجع، ولا تتراجع) وأعتقد أنه جاء وقت مراجعة الثورة لمسألة المحاصصة قبل أن يقع الفاس في الرأس، ولا زلت أقول أن فرص التصحيح لا تزال قائمة، والحل بالأيدي أفضل من الحل بالأسنان، والكرة لا تزال في الملعب، وقون العشية أفضل من مية.
تأملات – جمال عنقرة – المحاصصة .. الثورة تراجع ولا تتراجع
