أخر الأخبار

السفير دكتور محمد حجازي يكتب: كيف يسهم الإعلام السوداني في جهود إعادة إعمار السودان؟

إن الإعلام السوداني ليس مجرد وسيلة لنقل أخبار الحرب أو توثيق آثارها، بل يمكن أن يتحول إلى شريك وطني في مشروع إعادة بناء الدولة والمجتمع واستعادة الثقة بين السودانيين، فإعادة إعمار السودان لا تبدأ بإعادة تشييد المباني والطرق والمرافق وحدها، وإنما تبدأ أيضًا بإعادة بناء الوعي الوطني، وترميم النسيج الاجتماعي، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وتهيئة المجتمع للانتقال من منطق الصراع إلى منطق السلام والإنتاج والتنمية.اشتر خرائط

وفي ظل ما خلّفته الحرب من دمار ونزوح وانقسام اجتماعي وتراجع في الخدمات الأساسية، تزداد أهمية الإعلام بوصفه قوة ناعمة قادرة على تعبئة الطاقات الوطنية، وتعزيز التضامن بين السودانيين، وتقديم صورة واقعية عن احتياجات البلاد وأولوياتها، وحشد الدعم العربي والأفريقي والدولي لإعادة الإعمار.اشتر خرائط

أولًا: الأدوار الرئيسية للإعلام السوداني في إعادة الإعمار
1. ترسيخ المصالحة الوطنية ونبذ خطاب الكراهية :
يستطيع الإعلام أن يسهم في معالجة الانقسامات التي خلّفتها الحرب، من خلال خطاب مهني يرفض التحريض والتمييز والانتقام، ويعزز قيم المواطنة المشتركة واحترام التنوع العرقي والثقافي والإقليمي الذي يمثل ثراء السودان. كما يمكنه إتاحة المجال للحوار بين مختلف المكونات الاجتماعية، وإبراز المبادرات المحلية التي تساعد على استعادة التعايش السلمي، مع عدم الخلط بين المصالحة المجتمعية وغياب المساءلة عن الانتهاكات.اشتر خرائط

2. توحيد الأولويات الوطنية حول مشروع الإعمار :
من المهم أن ينتقل الإعلام من التركيز الحصري على العمليات العسكرية والتطورات السياسية إلى طرح أسئلة المستقبل: كيف ستُعاد الخدمات الصحية والتعليمية؟ كيف ستعود الكهرباء والمياه؟ كيف يمكن استعادة الإنتاج الزراعي والصناعي؟ وما المطلوب لإعادة تأهيل الطرق والمستشفيات والمدارس والأسواق؟ إن تحويل هذه الأسئلة إلى نقاش عام مستمر يساعد على بناء توافق وطني حول الأولويات، ويجعل المواطن شريكًا في تحديد احتياجات مجتمعه، لا مجرد متلقٍ للأخبار.

3. توثيق الدمار وتحديد الاحتياجات الفعلية :
يستطيع الصحفيون، بالتعاون مع المؤسسات المختصة والمنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية، إعداد تقارير ميدانية موثقة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمرافق العامة ومصادر الرزق، ورصد احتياجات النازحين والعائدين. ويتيح ذلك دعم التخطيط على أساس المعلومات، وتوجيه الموارد إلى المناطق الأكثر احتياجًا، شريطة التحقق من البيانات ومراعاة أمن السكان وعدم نشر معلومات قد تعرضهم للخطر.

4. مكافحة الشائعات والتضليل الإعلامي :
لا يمكن إعادة بناء دولة وسط بيئة تتسع فيها الأخبار الكاذبة وخطابات التخوين والتحريض. لذلك تقع على عاتق الإعلام السوداني مسؤولية تطوير آليات التحقق من المعلومات، والفصل بين الخبر والرأي، وتصحيح الأخطاء علنًا، وعدم نشر المواد مجهولة المصدر باعتبارها حقائق مؤكدة. فالإعلام المهني يحمي المجتمع من إعادة إنتاج الصراع عبر المنصات الرقمية، ويساعد على استعادة الثقة في المعلومات والمؤسسات.

5. تعبئة الموارد وحشد الدعم العربي والأفريقي والدولي:
يمكن للإعلام السوداني أن ينقل قضية إعادة الإعمار من دائرة التعاطف الإنساني إلى دائرة الشراكة التنموية، من خلال تقديم ملفات موثقة عن فرص الاستثمار، واحتياجات البنية التحتية، ومشروعات إعادة تأهيل المستشفيات والجامعات والمدارس، ومقومات النهوض بالزراعة والثروة الحيوانية والصناعة. كما يمكنه مخاطبة الرأي العام في مصر والدول العربية والأفريقية، والتعريف بدور المؤسسات المالية والقطاع الخاص والمغتربين السودانيين في تمويل مشروعات التعافي، مع التمييز بين المساعدات الإنسانية العاجلة والاستثمارات طويلة الأجل.

6. إعادة الثقة في الاقتصاد السوداني وتشجيع عودة الكفاءات والاستثمارات :
من الضروري أن يبرز الإعلام الإمكانات الاقتصادية للسودان، من الأراضي الزراعية والموارد المائية والثروة الحيوانية إلى الموانئ والموارد المعدنية والطاقات البشرية، وأن يقدم معلومات دقيقة عن فرص الاستثمار والتحديات والمخاطر. ولا يعني ذلك تجميل الواقع أو إخفاء حجم الدمار، بل تقديم صورة متكاملة تجمع بين الحقائق الصعبة والإمكانات المتاحة، وتدعم عودة الكفاءات السودانية من الخارج، وتشجع المستثمرين على المشاركة في التعافي عندما تتوافر الظروف الأمنية والقانونية الملائمة.اشتر خرائط

7. تمكين الشباب والمرأة والمجتمعات المحلية :
لا ينبغي أن يظل الإعلام صوتًا للنخب السياسية وحدها؛ بل يجب أن يتيح مساحة حقيقية للنساء والشباب والمعلمين والأطباء والمهندسين والمزارعين ورواد الأعمال والمبادرات التطوعية.

فهؤلاء يمثلون قوة أساسية في إعادة بناء السودان، ويمكن للإعلام أن يعرّف بتجاربهم الناجحة، ويوصل مطالبهم إلى صناع القرار، ويشجع المبادرات المجتمعية في تنظيف الأحياء وإصلاح المدارس ودعم الأسر المتضررة وإعادة تشغيل المشروعات الصغيرة.اشتر خرائط

8. بناء جسور التواصل بين السودانيين في الداخل والخارج :
يتيح الإعلام الرقمي فرصة مهمة للتواصل بين السودانيين داخل البلاد والجاليات في مصر والدول العربية وأفريقيا وأوروبا، وربط الكفاءات العلمية والمهنية بمشروعات التعافي، وتبادل الخبرات والمعلومات، وتنسيق المبادرات التطوعية. كما يمكنه المساهمة في مواجهة الشائعات التي تعرقل العودة الطوعية، وتقديم معلومات موثوقة عن الخدمات وظروف المناطق المختلفة، مع مراعاة سلامة العائدين وكرامتهم وحقهم في اتخاذ قراراتهم بحرية.

ثانيًا: كيف يتحول هذا الدور إلى برنامج عملي؟

يمكن ترجمة هذه الأدوار إلى برنامج إعلامي وطني لإعادة الإعمار يقوم على خمسة مسارات متكاملة:

– منصة إعلامية مشتركة لإعادة الإعمار تجمع مؤسسات إعلامية سودانية من اتجاهات ومناطق مختلفة، وتتيح تبادل المعلومات والتحقيقات الموثقة، وتمنح الأولوية للمصلحة الوطنية والمهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى