أخر الأخبار

أزمة الاقتصاد السوداني.. هل المشكلة في وزير المالية أم في اقتصاد أنهكته الحرب؟

بقلم: علي فوزي الأمين العام لشبكة الإعلاميين المصريين و السودانيين “شمس”

مع كل مرحلة جديدة من مراحل الحرب في السودان، تعود إلى الواجهة حملات النقاش والانتقاد حول أداء بعض المسؤولين، فتارة يكون نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي هو محور الانتقادات، وتارة رئيس أركان الجيش الفريق أول ياسر العطا، وهذه المرة يعود الدور إلى وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم، خصوصًا في ظل التطورات العسكرية الأخيرة والتقدم الذي يحرزه الجيش السوداني في عدد من المحاور.

ومن حق السودانيين أن يسألوا عن الاقتصاد، وعن الأسعار، وعن سعر الصرف، وعن قدرة الدولة على توفير الخدمات والمرتبات، وعن أداء وزارة المالية وسائر مؤسسات الدولة.

لكن السؤال الذي يحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والموضوعية هو: هل أزمة الاقتصاد السوداني اليوم أزمة وزير مالية، أم أزمة حرب؟

هذا المقال لا يأتي للدفاع عن الدكتور جبريل إبراهيم، ولا لتبرئة وزارة المالية من أي أخطاء أو قرارات قابلة للنقد، وإنما لمحاولة قراءة الأزمة الاقتصادية بعيدًا عن الشخصنة، ووضع المشكلة في سياقها الحقيقي: اقتصاد دولة يعيش حربًا ممتدة منذ أبريل 2023.

الاقتصاد السوداني لم يدخل الأزمة بسبب وزير المالية الحالي

قبل تقييم أداء أي وزير مالية، يجب النظر إلى حجم الاقتصاد الذي يدير شؤونه.

الحرب لم تضرب بندًا واحدًا في الموازنة، وإنما ضربت الأساس الذي تقوم عليه الموازنة نفسها: الإنتاج، التجارة، البنية التحتية، المصارف، الصادرات، الإيرادات، حركة العمالة، الاستثمار، وسلاسل الإمداد.

ويشير البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي للسودان انكمش بنحو 29.4% في 2023، ثم انكمش 14% إضافية في 2024، في واحدة من أشد موجات الانكماش الاقتصادي المسجلة في تاريخ البلاد الحديث. كما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024–2025.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية.

كيف يمكن لوزارة المالية أن تدير اقتصادًا فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الإنتاج والتحصيل والتصدير؟

الحرب أكلت من موارد الدولة قبل أن تصل إلى وزارة المالية

الدولة تحصل على إيرادات عندما يكون هناك اقتصاد يعمل.

المصانع تنتج، والمزارع تزرع، والتاجر يستورد ويصدر، والموانئ تعمل، والضرائب تُحصّل، والجمارك تدخل إلى الخزانة العامة، والبنوك تموّل النشاط الاقتصادي، والاستثمارات تتحرك.

لكن عندما تصبح أجزاء واسعة من البلاد ساحات قتال، وتتضرر الطرق والكهرباء والمصانع والمخازن والأسواق، ويتحرك ملايين المواطنين من مناطقهم، فإن الأزمة لا تعود أزمة إدارة مالية بالمعنى التقليدي.

تصبح أزمة قدرة دولة على العمل اقتصاديًا.

وقد وثق البنك الدولي أن الحرب أدت إلى تدمير واسع للقدرة الإنتاجية، خصوصًا في الخدمات والتجارة والاتصالات والصحة والتعليم، كما تأثرت الزراعة بشدة بسبب النزوح والنهب ونقص المدخلات وتعطل سلاسل الإمداد.

وهذا يعني أن وزير المالية يستطيع إعادة ترتيب الأولويات، وتقليل الإنفاق، وتحسين التحصيل، وإصلاح الإجراءات، لكنه لا يستطيع بقرار مالي وحده إعادة تشغيل مصنع دمرته الحرب، أو إعادة طريق انقطع، أو إعادة ملايين النازحين إلى مناطقهم، أو إنهاء سوق موازية نشأت نتيجة انهيار النظام الاقتصادي الرسمي.

المشكلة الأكبر: اقتصاد حرب

السودان اليوم لا يعيش أزمة مالية تقليدية.

إنه يعيش اقتصادًا تشكل تحت ضغط الحرب.

جزء من النشاط الاقتصادي أصبح يتحرك خارج القنوات الرسمية، والأسواق تغيرت، ومسارات التجارة تغيرت، ومصادر الدخل تغيرت، كما تعرض القطاع المصرفي لضربات كبيرة.

حتى الذهب، وهو أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للسودان، أصبح جزءًا من معركة أوسع حول الإنتاج والتصدير والقنوات الرسمية وغير الرسمية.

وفي الوقت نفسه، تسببت الحرب في تراجع قدرة الدولة على جمع الإيرادات، بينما ظلت عليها مسؤوليات ضخمة: تمويل مؤسسات الدولة، دفع المرتبات، الإنفاق على الخدمات، وتمويل المجهود الحربي في ظروف استثنائية.

وهنا تصبح وزارة المالية في وضع شديد الصعوبة: مصروفات مرتفعة مقابل قاعدة إيرادات ضعيفة ومتضررة.

التضخم وسعر الصرف ليسا قرارًا منفردًا من وزير المالية

عندما ترتفع الأسعار، يكون أول سؤال يطرحه المواطن: لماذا؟

وهذا سؤال مشروع.

لكن الإجابة الاقتصادية لا يمكن اختزالها في اسم وزير.

ارتفاع الأسعار في السودان يرتبط بتراجع الإنتاج، ونقص السلع، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، واضطراب التجارة، وانخفاض قيمة العملة، وتراجع تدفقات النقد الأجنبي.

وقد سجل السودان مستويات شديدة الارتفاع من التضخم خلال الحرب، قبل أن يبدأ التضخم في التراجع من مستويات قياسية، فيما بقيت الأسعار مرتفعة جدًا بالنسبة إلى دخول المواطنين. ويشير البنك الدولي إلى أن التضخم بلغ 170% على أساس سنوي في 2024، ثم تراجع إلى 78.4% في يوليو 2025.

والأهم هنا أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار.

فإذا ارتفع سعر السلعة من 100 إلى 300 جنيه ثم تباطأ معدل ارتفاعه، فهذا لا يعني أن السلعة عادت إلى 100 جنيه.

وهذه نقطة مهمة في فهم معاناة المواطن السوداني.

ماذا عن أداء وزير المالية؟

هنا يجب أن يكون النقاش مختلفًا.

نعم، يمكن محاسبة وزير المالية على القرارات التي تقع ضمن صلاحياته.

يمكن السؤال عن كفاءة التحصيل، وإدارة الإنفاق، وأولويات الموازنة، والسياسة الضريبية، وإدارة المؤسسات التابعة للوزارة، وشفافية الأرقام، وآليات تمويل العجز، والسياسات التي يمكن أن تحفز الإنتاج.

هذه كلها أسئلة مشروعة.

لكن في المقابل، يجب ألا يتحول النقاش إلى افتراض أن تغيير الوزير وحده سيؤدي إلى حل الأزمة الاقتصادية.

تغيير وزير المالية لا يوقف الحرب.

وتغيير وزير المالية لا يعيد المصانع التي توقفت.

ولا يعيد الطرق التي دمرت.

ولا يعيد الأسواق التي اختفت.

ولا يعيد الملايين الذين نزحوا من مناطق الإنتاج.

ولا يعيد الموارد التي خرجت من الدورة الاقتصادية الرسمية.

ولا يخلق بين ليلة وضحاها احتياطيًا من النقد الأجنبي.

حتى تحسن بعض المؤشرات لا يعني انتهاء الأزمة

هناك مؤشرات على بداية تعافٍ محدود في النشاط الاقتصادي خلال 2025، بحسب البنك الدولي، مع نمو مقدر بنحو 3.1% بعد الانكماشات الكبيرة التي شهدها الاقتصاد في 2023 و2024. لكن البنك الدولي نفسه يربط استمرار التعافي بتحسن الأوضاع الأمنية وعودة النازحين وإعادة بناء المؤسسات والإنتاج.

وهنا يجب الانتباه إلى معنى الأرقام.

النمو بعد انكماش هائل لا يعني أن الاقتصاد عاد إلى ما كان عليه قبل الحرب.

قد ينمو الاقتصاد لأنه بدأ يتحرك من قاعدة منخفضة جدًا.

ولهذا فإن الحديث عن «تحسن الاقتصاد» يجب أن يكون مصحوبًا بسؤال آخر: تحسن مقارنة بماذا؟

الكهرباء مثال واضح على أن الأزمة أكبر من وزارة المالية

حتى الخدمات الأساسية أصبحت مرتبطة مباشرة بالحرب.

في أغسطس 2026، تناولت تقارير دولية استمرار انقطاعات الكهرباء في السودان، وتأثر النشاط الاقتصادي والأعمال والأسر، مع الإشارة إلى أضرار لحقت بالبنية التحتية للكهرباء وصعوبة تمويل أعمال الإصلاح في ظل استمرار الحرب.

وهذا يوضح طبيعة الأزمة.

عندما لا تصل الكهرباء بصورة مستقرة إلى المصنع، فإن المشكلة ليست في الموازنة وحدها.

وعندما ترتفع تكلفة الوقود والنقل، فإن المشكلة ليست في الضرائب وحدها.

وعندما تتوقف التجارة بين مناطق البلاد، فإن المشكلة ليست في وزارة المالية وحدها.

إنها سلسلة واحدة تبدأ بالحرب وتنتهي عند المواطن في السوق.

الاقتصاد لا يستطيع أن يتعافى بينما الحرب مستمرة

حتى المؤسسات الدولية تضع السلام والاستقرار في قلب أي تصور للتعافي الاقتصادي السوداني.

البنك الدولي يذكر صراحة أن مسار التعافي الاقتصادي المستدام يعتمد على استعادة السلام والاستقرار، إلى جانب إصلاح الاقتصاد الكلي وإعادة الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وإعادة بناء البنية التحتية.

وهذه ليست دعوة إلى تجاهل الأخطاء الحكومية.

بل هي دعوة إلى وضع المسؤولية في حجمها الصحيح.

هناك مسؤولية عن الإدارة.

وهناك مسؤولية عن الحرب.

وهناك مسؤولية عن القرارات الاقتصادية.

وهناك مسؤولية عن تدمير البنية الإنتاجية.

وهناك مسؤولية عن استمرار اقتصاد موازٍ خارج مؤسسات الدولة.

وخلط هذه المستويات كلها في شخص وزير واحد يجعلنا نبحث عن إجابة سهلة لمشكلة شديدة التعقيد.

السؤال الحقيقي: كيف نعيد الاقتصاد السوداني إلى طبيعته؟

السؤال الأهم من «من هو المسؤول عن ارتفاع الأسعار؟» هو: كيف نعيد بناء اقتصاد سوداني قادر على الإنتاج؟

الإجابة تبدأ من وقف الحرب واستعادة الاستقرار، ثم إعادة تشغيل الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والطاقة، وإعادة بناء الجهاز المصرفي، وتوسيع قاعدة الإيرادات، وتنظيم تجارة الذهب والصادرات، واستعادة الثقة في العملة والمؤسسات، وخلق بيئة تسمح للقطاع الخاص بالعودة إلى الإنتاج.

بعد ذلك فقط يمكن تقييم أداء السياسات المالية بصورة أكثر عدالة.

فوزير المالية في اقتصاد مستقر يستطيع أن يُحاسب على خياراته المالية بصورة مباشرة.

أما وزير المالية في بلد يعيش حربًا شاملة، فإن مساحة الحركة أمامه تكون أضيق بكثير.

ليست القضية جبريل إبراهيم وحده

من حق المواطن السوداني أن يسأل جبريل إبراهيم عن أداء وزارة المالية.

ومن حق الصحفي والباحث والخبير الاقتصادي أن ينتقد أي قرار اقتصادي.

لكن من حق المواطن أيضًا أن يعرف أن الاقتصاد السوداني لم يصل إلى هذه الحالة بسبب شخص واحد.

الحرب دمرت جزءًا كبيرًا من القدرة الإنتاجية، وأضعفت الإيرادات، وعطلت التجارة، وأثرت على البنوك والبنية التحتية، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح، وخلقت ظروفًا اقتصادية استثنائية لم تعرفها البلاد بهذا الحجم منذ عقود.

وفي سبتمبر 2026، لا تزال الحرب نفسها مستمرة، ولا تزال آثارها الاقتصادية والإنسانية تتسع. وقد أفادت تقارير حديثة بأن نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع، في ظل استمرار النزوح وتراجع التمويل الإنساني.

الخاتمة

ليس المقصود من هذا المقال الدفاع عن وزير المالية، ولا مهاجمته خصوصاً أنا لم اتعامل مع الدكتور ابراهيم غير مرة واحدة في أحد اللقاءات الصحيفة في مصر.

المقصود هو إعادة تعريف المشكلة.

إذا كانت هناك أخطاء في إدارة المال العام، فيجب كشفها ومحاسبة المسؤول عنها.

وإذا كانت هناك قرارات اقتصادية خاطئة، فيجب مناقشتها بالأرقام.

لكن اختزال أزمة الاقتصاد السوداني في وزير المالية وحده يختصر أزمة دولة كاملة في شخص واحد.

المشكلة الاقتصادية في السودان اليوم أكبر من وزير المالية، وأكبر من وزارة المالية نفسها.

المشكلة الأساسية أن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أعادت تشكيل الاقتصاد السوداني، وضربت الإنتاج والإيرادات والبنية التحتية والأسواق، وأضعفت قدرة الدولة على إدارة مواردها.

لذلك فإن المعادلة الحقيقية ليست:

وزير مالية جديد = اقتصاد أفضل.

وإنما:

وقف الحرب + استعادة الإنتاج + إعادة بناء مؤسسات الدولة + إصلاح مالي ونقدي = الطريق إلى تعافي الاقتصاد السوداني.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل السودانيين ليس فقط: «من هو وزير المالية؟»

بل:

«كيف نُنهي الظروف التي جعلت أي وزير مالية يعمل داخل اقتصاد حرب؟»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى