
أن تسمع وتشاهد مقاطع فيديو عن الخرطوم شيء، وأن ترى بأم عينك شيئًا آخر. وبعيدًا عن ذلك، حين تطأ أرضها، تخالجك أحاسيس مختلفة، ما بين الدموع والضحكة، لكنها في النهاية تعبّر عن فرحة لا توصف.
الخرطوم، السودان.. تلكم العاصمة الشاسعة التي كثيرًا ما غادرناها، وغادرها آخرون لسنوات في بلاد الاغتراب. العودة إليها هذه المرة مختلفة تمامًا؛ فقد ظننا للحظة أننا سنفقدها تمامًا.
نعتذر عن هذا الإحساس، إذ كيف لنا ذلك في ظل وجود قوات الشعب المسلحة، التي ومن خلال هذه الحرب اللعينة درّست العالم فنون القتال؟ وأي قتال هذا الذي تمحور ليصبح جيشًا ومسانديه في مواجهة مرتزقة العالم.
الخرطوم التي توعّد الفريق خلا عبد الرحيم دقلو بأن «ستسكنها القطط»، وقد كان في جزء منها، بيد أن القطط نفسها فرت فرارًا فرط قسوة الجنجويد.
ها هي الخرطوم، وبعد أن أعملوا فيها معاولهم هدمًا وتجريحًا، تتعافى بعد أن خضعت لعمليات كثيرة وكبيرة، وبأيادٍ محلية وطنية، دون أي دعم خارجي، اللهم إلا من بعض الندبات والتشوهات هنا وهناك، التي سيتم تجميلها قطعًا بأحسن ما يكون.
وفي زيارتي لها الأسبوع المنصرم، ضمن وفد إعلامي للمشاركة في ملتقى الإعلاميين، ورغم أن حراكنا كان في نطاق محدود، أُتيحت لي فرصة الطواف على أم درمان وبحري.
المظهر اللافت في العاصمة المثلثة هو النظافة؛ فالشوارع تتمتع بقدر كبير منها. والحراك في الخرطوم، وبحسب ما أتيح لي مشاهدته، كبير إلى حد ما في الصباح وحتى قبيل المغيب، ثم يخفت قليلًا بعد ذلك.
ورغم النهب الواسع والتدمير الذي طال سيارات المواطنين والشركات والحكومة، فإن ما يتوفر منها حاليًا لا بأس به، ويشي كذلك باسترداد عافية المركبات.
واللافت كذلك في الخرطوم، خصوصًا في أحياء المنشية والرياض والخرطوم ثلاثة، وربما بقية الأحياء الراقية، قلة السكان مقارنة بأحياء أخرى تشهد كثافة سكانية إلى حد كبير، بينما لا تزال هناك منازل مهجورة وأبوابها مفتوحة.
أما أم درمان، التي جُبتها بدءًا من كبري النيل الأبيض، ثم عودة عن طريق كبري الحلفايا، مرورًا بمحلية أم بدة وكرري، فهنا تحديدًا تنتقل إلى شعور آخر؛ وكأن هذه البقعة لم تمر بها الحرب، رغم أن أسوأ فصولها كان في بعضها، سيما نواحي مستشفى السلاح الطبي وسلاح المهندسين وغيرها.
لكنها، بفضل الله، عادت كما لم تكن من قبل، وتشهد ثقلًا سكانيًا كثيفًا، بعد أن أصبحت مأوى حتى للمقيمين في بعض أحياء الخرطوم.
نواصل…


