
قبل أكثر من عشرين عامًا، كان مجلس الأمن يحاول وقف وصول السلاح إلى الجنجويد والجماعات المسلحة في دارفور. اليوم، ينظر محققون دوليون في شبكات تتجاوز حدود السودان، تنقل مقاتلين وسلاحًا وتكنولوجيا عسكرية إلى ساحات القتال. وبين المرحلتين تغير الكثير: قوات الدعم السريع، التي خرجت من البيئة العسكرية لحرب دارفور، وصلت إلى مؤسسات الدولة ومركز السلطة، ثم أصبحت أحد الطرفين الرئيسيين في حرب امتدت إلى مناطق واسعة من البلاد.
في 3 سبتمبر 2026، أعادت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان ملف الدعم الخارجي إلى الواجهة. تحدثت البعثة عن وسطاء وشبكات تجنيد ومقاتلين أجانب، إلى جانب أسلحة وتكنولوجيا عسكرية تعبر الحدود. لم يعد الأمر متعلقًا بالسلاح التقليدي وحده؛ دخلت المسيّرات والمتعاقدون العسكريون وشبكات التجنيد إلى الصورة. وهذا يعيد طرح سؤال لازم مسار الدعم السريع لسنوات: كيف تحولت قوة خرجت من حرب دارفور إلى طرف يملك نفوذًا داخل السودان وشبكات تمتد خارجه؟
في 30 يوليو 2004، فرض مجلس الأمن، بموجب القرار 1556، حظرًا على توريد الأسلحة إلى الكيانات غير الحكومية والأفراد العاملين في دارفور، بمن فيهم الجنجويد. ثم جاء القرار 1591 في مارس 2005 ليوسع نطاق الحظر داخل الإقليم ويضيف نظامًا للعقوبات الفردية.
بقي الحظر الأممي مرتبطًا بدارفور، لكن القوة التي خرجت من البيئة العسكرية التي تشكلت فيها ميليشيات الجنجويد لم تبق هناك. توسعت لاحقًا داخل السودان، حتى أصبحت قوات الدعم السريع واحدة من أكبر القوى المسلحة في البلاد، قبل أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الجيش.
لذلك، فإن بدء قصة الحرب من 15 أبريل 2023 وحده يترك جزءًا أساسيًا منها خارج الصورة. ما حدث في ذلك اليوم جاء بعد سنوات من التحولات السياسية والعسكرية وتراكم مراكز القوة داخل الدولة.
من دارفور إلى مركز السلطة
اندلعت حرب دارفور في 2003، عندما واجهت حكومة عمر البشير حركات تمرد مسلحة في غرب البلاد، واعتمدت ضمن استراتيجيتها العسكرية على قوات وميليشيات محلية. في تلك المرحلة برز اسم «الجنجويد»، وارتبط باتهامات واسعة بقتل المدنيين وتهجيرهم والعنف الجنسي وحرق القرى.
ورغم الصلة بينهما، فإن الجنجويد والدعم السريع ليسا تنظيمًا واحدًا بالمعنى المؤسسي. ظهر الدعم السريع رسميًا في 2013 بهيكل أكثر تنظيمًا، لكنه خرج من البيئة العسكرية نفسها، واستوعب مقاتلين وقادة ارتبطوا بتشكيلات شبه عسكرية سابقة.
بمرور الوقت، لم يعد نشاط القوة محصورًا في دارفور. اتسع انتشارها، وتزايد نفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي، ثم منحها قانون خاص في 2017 وضعًا رسميًا داخل المنظومة العسكرية.
لكن الاعتراف الرسمي لم يؤدِ إلى ذوبان الدعم السريع داخل الجيش. احتفظ بقيادته الخاصة، فيما توسعت موارده وشبكات نفوذه. وكانت النتيجة وضعًا غير عادي: جيش نظامي، وإلى جانبه قوة شبه عسكرية كبيرة تعمل داخل الإطار الرسمي للدولة، لكنها تحتفظ بدرجة واسعة من الاستقلال.
سقوط عمر البشير في أبريل 2019 لم ينهِ هذا الوضع. على العكس، انتقل قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» إلى مركز ترتيبات السلطة الجديدة، وأصبح أحد أبرز رجال المرحلة الانتقالية. وهكذا وصلت قوة تشكلت في سياق حرب على أطراف السودان إلى مركز القرار السياسي في الخرطوم.
بقيت المشكلة الأساسية بلا حل: في الدولة قوتان عسكريتان كبيرتان، لكل منهما قيادة وانتشار ومصالح.
ازدادت المسألة تعقيدًا بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021. ومع المحاولات اللاحقة للعودة إلى مسار سياسي، أصبح إصلاح القطاع الأمني ودمج الدعم السريع في القوات المسلحة من أصعب الملفات المطروحة. ظهر الخلاف في النقاش حول المدة المطلوبة للدمج، لكنه لم يكن خلافًا على عدد السنوات فقط. كانت هناك أسئلة أكثر حساسية تتعلق بسلسلة القيادة ومن سيملك القرار العسكري في نهاية العملية.
كانت هذه القضايا من بين العوامل المباشرة التي سبقت الصراع، إلى جانب التنافس على السلطة والنفوذ والموارد. وعندما بدأ القتال في أبريل 2023، بدا في صورته الأولى مواجهة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وحميدتي. لكن خلف المواجهة الشخصية كانت هناك أزمة أقدم: قوتان مسلحتان كبيرتان من دون قيادة عسكرية واحدة
دارفور من جديد.. واتهامات الإبادة
مع اندلاع الحرب، عادت دارفور إلى قلب ملف الدعم السريع. توالت التقارير في غرب الإقليم عن القتل والتهجير القسري والعنف الجنسي والاستهداف على أساس إثني. وعاد معها سؤال قديم: متى تكون الجرائم جزءًا من فظائع الحرب، ومتى يصبح استهداف جماعة بسبب هويتها مسألة مختلفة قانونيًا؟
في 7 يناير 2025، أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى أن أفرادًا من قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبوا إبادة جماعية في السودان. وكانت واشنطن قد خلصت قبل ذلك إلى أن أفرادًا من القوات المسلحة السودانية والدعم السريع ارتكبوا جرائم حرب، وإلى أن أفرادًا من الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معه ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وتطهيرًا إثنيًا.
غير أن استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية» لا يتعلق بحجم العنف أو عدد القتلى وحدهما. فله معنى قانوني محدد يتطلب ارتكاب أفعال بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا. كما أن التحديد الأميركي لا يعني إدانة جنائية تلقائية لكل فرد ينتمي إلى الدعم السريع؛ إذ تبقى المسؤولية الجنائية فردية، وتتطلب إثبات دور المتهم وقصده أمام جهة قضائية مختصة.
وفي فبراير 2026، أعادت الفاشر هذا الملف إلى الواجهة بقوة. خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان إلى أن عمليات القتل الجماعي والفظائع التي ارتكبها الدعم السريع خلال سيطرته على المدينة في أكتوبر 2025، بعد حصار استمر نحو 18 شهرًا، حملت مؤشرات على مسار إبادي. وقالت البعثة إن الوقائع التي وثقتها تكشف عن نية لدى قوات الدعم السريع لتدمير مجتمعي الزغاوة والفور، كليًا أو جزئيًا.
بعد أكثر من عقدين على اندلاع حرب دارفور، عادت المنطقة نفسها إلى التحقيقات الدولية. هذه المرة، لم تعد القوة موضوع التحقيق تشكيلًا يعمل أساسًا في غرب السودان. فقد قاتلت في الخرطوم ومدن أخرى، وامتدت عملياتها إلى مناطق واسعة من البلاد.
وهنا ظهر جانب آخر من الحرب. فقتال يستمر لسنوات وعلى جغرافيا واسعة لا يعتمد على المقاتلين وحدهم. هناك حاجة إلى المال والذخيرة والوقود والتدريب والتكنولوجيا وطرق النقل والإمداد. ولهذا بدأت التحقيقات تنظر أيضًا إلى ما يحدث خلف خطوط القتال، وإلى الشبكات التي تعمل خارج السودان.
شبكات حرب تتجاوز الحدود
في سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق إن شبكات عابرة للحدود أسهمت في توفير أسلحة وذخائر وتكنولوجيا عسكرية ودعم لوجستي ومقاتلين أجانب. وفي حالة الدعم السريع، تحدثت التحقيقات عن كيانات خاصة ووسطاء وشبكات لتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين. شارك بعض هؤلاء في القتال، وقدموا خبرات في تشغيل المسيّرات والمدفعية والتدريب.
وقبل ذلك، في أبريل 2026، أدرج مجلس الأمن ثلاثة كولومبيين على قائمة العقوبات بسبب أدوار مرتبطة بتجنيد وتمويل ونشر عسكريين كولومبيين سابقين في السودان. وتشير السجلات الأممية إلى أن مهام هؤلاء إلى جانب الدعم السريع شملت المشاة والمدفعية وتشغيل المسيّرات والتدريب.
هذه الشبكات تكشف جانبًا لا يظهر دائمًا في صور المعارك. فخلف المقاتلين توجد عمليات تمويل ونقل وإمداد وتجنيد وخبرة تقنية. وقد تبدأ بعض حلقاتها أو تمر خارج السودان، بينما تظهر نتائجها في ساحة القتال داخله.
في الوقت نفسه، تبقى مسألة المسؤولية أكثر تعقيدًا. الإمارات تنفي تقديم دعم عسكري للدعم السريع، كما نفت دول أخرى اتهامات مرتبطة باستخدام أراضيها أو مساراتها لخدمة الحرب. ولهذا من الضروري التمييز بين الأدلة المتعلقة بأفراد وشركات ووسطاء يعملون عبر دول مختلفة، وبين إثبات المسؤولية القانونية لدولة بعينها.
وصل جانب من هذا الخلاف إلى محكمة العدل الدولية في 2025، عندما رفع السودان دعوى ضد الإمارات بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وفي مايو من العام نفسه، أمرت المحكمة بشطب القضية بعدما خلصت إلى عدم اختصاصها. وبذلك انتهت القضية عند مسألة الاختصاص، من دون أن تحكم المحكمة في موضوع الاتهامات المتعلقة بالدعم المزعوم.
المقارنة بين 2004 و2026 توضح حجم التغير. قبل أكثر من عشرين عامًا، كان النقاش الدولي يتركز على منع وصول السلاح إلى المقاتلين في دارفور. اليوم، يدور الحديث عن شبكات تنقل مقاتلين وسلاحًا ومسيّرات وخبرات تقنية عبر الحدود. تغيرت جغرافيا الحرب وأدواتها، بينما بقي حظر السلاح الأممي مرتبطًا بدارفور.
لكن تدفق السلاح لا يروي القصة كاملة. فصعود الدعم السريع ارتبط أيضًا باتساع انتشاره، ووضعه داخل المنظومة العسكرية، ونمو موارده ونفوذه، ثم وصول قائده إلى مركز السلطة بعد سقوط البشير. وعندما أصبحت مسألة دمجه في الجيش إحدى عقد المرحلة الانتقالية، ظهرت بوضوح مشكلة ظلت تتراكم لسنوات: وجود قوتين عسكريتين كبيرتين من دون قيادة واحدة.
واليوم، تضيف شبكات التجنيد والإمداد العابرة للحدود بعدًا آخر إلى هذا المسار. فالسؤال لم يعد فقط كيف يصل السلاح إلى ساحة القتال، بل كيف تستمر شبكة تضم التمويل والنقل والمقاتلين والخبرة العسكرية والتكنولوجيا في تغذية حرب تجاوزت حدود دارفور منذ زمن.
وبين حظر السلاح الذي فرضه مجلس الأمن على دارفور في 2004 والتحقيقات في الشبكات العابرة للحدود في 2026، يمكن قراءة التحول الأوسع: قوة خرجت من حرب في أطراف السودان، واتسع نفوذها حتى وصلت إلى مركز السلطة، ثم أصبحت طرفًا رئيسيًا في حرب باتت شبكاتها الخارجية جزءًا من التحقيقات الدولية
دكتور عبد الناصر سلم حامد
كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في فوكس السويد



