
كنت أتحدث منذ فترة مع أحد الأشخاص الذين يتسمون بالتشدد في آرائهم الدينية، وتطرق بنا الحديث إلى موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وكان يذكر أمثلة كثيرة لأشياء قال إن العلم الحديث يدعي معرفتها و هي اشياء حكرا علي القرآن ، و لا يمكن معرفتها مهما تطور العلم وسائل البحث والأجهزة العلمية الحديثة. وبحكم أنني طبيب، حاول أن يجعل الجزء الأكبر من نقاشه في المسائل الطبية، ومن بينها مسألة معرفة الجنين في رحم أمه، وتحديد نوعه ذكرًا كان أم أنثى.
كان يرى أن معرفة نوع الجنين لا يمكن أن تكون معرفة حقيقية أو يقينية، وأن ما يفعله الأطباء باستخدام أجهزة الموجات فوق الصوتية وغيرها ليس أكثر من تخمينات تحتمل الخطأ، مثلها في ذلك مثل توقعات الأرصاد الجوية، واستند إلى قول الله سبحانه وتعالى: «وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ»، واعتبر أن الآية تعني أن ما في الأرحام من الغيب الذي لا يمكن للإنسان أن يعرفه.
وهنا كان جوهر الاختلاف بيننا؛ إذ حاولت أن أوضح له أن المشكلة ليست في القرآن، وإنما أحيانًا في الطريقة التي نقرأ بها الآية ونحصر معناها في مفهوم ضيق، ثم نجعل هذا الفهم المحدود معيارًا للحكم على العلم الحديث.
فالله سبحانه وتعالى عندما يقول: «وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ»، فإن علمه سبحانه وتعالى ليس مجرد معرفة جنس الجنين الموجود في رحم امرأة حامل، هل هو ذكر أم أنثى. فمعرفة الإنسان لجنس الجنين في مرحلة معينة من الحمل لا تعني أنه أحاط بكل ما في الرحم، ولا تعني أنه شارك الله سبحانه وتعالى في علم الغيب.
فالمرأة عندما تصبح حاملًا، يصبح الجنين موجودًا بالفعل، وماثلًا في رحمها، ويمكن للإنسان أن يستخدم الوسائل العلمية لاكتشاف بعض صفاته وخصائصه. وما يصل إليه الطبيب هو معرفة محدودة بجزء محدد من الحقيقة، في وقت محدد، وبوسائل محددة، وقد تصيب وقد تخطئ. أما علم الله سبحانه وتعالى فهو علم مطلق لا تحده أجهزة ولا أزمنة ولا احتمالات.
بل إن المعنى يصبح أعمق بكثير إذا نظرنا إلى الآية في إطار علم الله بالغيب كله؛ فالله سبحانه وتعالى يعلم ما ستخرجه الأرحام قبل أن يوجد الحمل أصلًا، ويعلم ما ستنجبه طفلة صغيرة عمرها عام أو عامان عندما تكبر بعد سنوات، ومن ستتزوج، ومتى تحمل، وماذا سيكون في رحمها، ومن ستنجب، وماذا سيكون مستقبل ذريتها.
ويعلم سبحانه وتعالى ما ستنجبه فتاة لم تتزوج بعد، وما ستأتي به أرحام نساء لم يحملن أصلًا، وما سيكون في الأرحام من خلق وأقدار وأحداث لا يعلمها الإنسان إلا بعد أن تقع، بل إن علمه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء قبل أن يكون.
وهنا يظهر الفرق الهائل بين علم الخالق وعلم المخلوق. فالإنسان قد يستطيع اليوم، بواسطة أجهزة متطورة، أن يرى الجنين وأن يحدد جنسه في مرحلة من مراحل الحمل، لكنه لا يستطيع أن يعلم كل ما يتعلق بهذا الجنين، ولا مستقبله، ولا حياته، ولا ما سيحدث له، ولا ذريته، ولا ما ستأتي به الأرحام من بعده. ولذلك فإن تطور العلم لا يتعارض مع الآية، بل إن محاولة حصر الآية في مسألة معرفة جنس الجنين فقط هي التي تضيق معناها الواسع.
ومن الخطأ في رأيي أن ننظر إلى العلم والدين وكأنهما في معركة دائمة، وكأن كل اكتشاف علمي جديد يمثل تحديًا للنص القرآني، أو أن كل آية لا بد أن نبحث لها عن اكتشاف علمي حتى نثبت أنها صحيحة. القرآن ليس كتابًا في الطب أو الفيزياء أو الفلك، وإنما هو كتاب هداية وتدبر، والكون نفسه كتاب مفتوح خلقه الله، والعلم إحدى الوسائل التي يستخدمها الإنسان لقراءة هذا الكتاب.
ولهذا أتوقف كثيرًا عند قول الله سبحانه وتعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ». وأتساءل: لماذا نحصر مفهوم العلماء في علماء الدين والعلوم الشرعية فقط؟ لماذا لا يكون الطبيب الذي يفني سنوات عمره في دراسة جسم الإنسان، والفيزيائي الذي يبحث في قوانين الكون، والفلكي الذي يتأمل في اتساع هذا الكون، والجيولوجي الذي يقرأ تاريخ الأرض، وعالم الأحياء الذي يدرس الحياة، وعالم الجينات الذي يبحث في أسرار الوراثة، كل هؤلاء داخلين في معنى العلماء الذين تقودهم المعرفة إلى إدراك عظمة الخالق؟
ولو كان الأمر بيدي، لجعلت خطبة الجمعة يشارك فيها علماء الزراعة والحيوان والإنسان، وعلماء الفلك والفضاء، والأطباء والمهندسون وسائر المتخصصين؛ بحيث تصبح هذه العلوم مشاعة بين الناس، لا حبيسة صدور العلماء وقاعات الدرس والجامعات، وإنما تتحول إلى معرفة تصل إلى عامة الناس، وتعين الإنسان على تدبر قدرة الله، وتساعده على توسيع مداركه وفهمه للحياة والكون والإنسان.
وأذكر في هذا السياق زيارة لي إلى الشيخ البرعي في الزريبة. قصدناه ومعي بعض الزملاء، الأخ صلاح غان، والأخ عبدالرحمن من اليونيسف، وكنا نريد أن نشرح له بعض العادات الضارة بالنساء والصحة الإنجابية، وطلبنا منه أن ينظم قصيدة يتغنى بها مداح الشيخ البرعي، لأننا كنا نعتقد أن الرسالة إذا جاءت في صورة قصيدة وأهازيج يسهل حفظها وترديدها، فإن تأثيرها سيكون أكبر بكثير من المحاضرات المباشرة.
وكان ذلك اليوم يوم جمعة، فشرحنا له المسألة بصورة علمية موسعة، وتحدثنا عن تلك العادات وأضرارها على النساء والصحة الإنجابية. وكان الشيخ البرعي، رحمه الله، رجلًا ذكيًا لماحًا، يستمع بعناية ويلتقط جوهر الفكرة بسرعة.
وبعد أن انتهينا، ذهبنا معه إلى المسجد، وما إن انتهى من الصلاة حتى أمسك بالمايكروفون وقال: «وين الدكتور؟ خلوه يجي يقول كلامه القالوا لينا قبل الصلاة».
ورغم أنني لم أكن مستعدًا لإلقاء كلمة أمام ذلك الجمع، وجدت نفسي أقف وأتحدث في محاضرة كاملة، تفاعل معها الحضور بصورة كبيرة، وكان المسجد مليئًا بالزائرين الذين جاءوا إلى الشيخ البرعي من مختلف بقاع السودان وخارجه.
وبعد فترة قصيرة نظم الشيخ قصيدة «الأيامي»، وأنشدها مداح الشيخ البرعي، وكانت القصيدة تشتمل على كثير من المعلومات العلمية التي تحدثنا عنها، ولكنها جاءت في صورة سلسة، وبأهازيج سهلة الفهم والحفظ والتداول بين الناس ( يمكن الاطلاع عليها في اليوتيوب ، اشاد اولاد البرعي ).
وهنا أدركت مرة أخرى أن المعرفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب وقاعات الجامعات. يمكن للعلم أن يصل إلى الناس عبر الطبيب، والمعلم، والإمام، والشاعر، والفنان، وكل من يستطيع أن يحول المعرفة إلى رسالة يفهمها المجتمع ويتفاعل معها.
رحم الله الشيخ البرعي، وجعل ما قدمه من علم ونفع وإرشاد في ميزان حسناته.
إن الإنسان كلما تعمق في العلم، اكتشف أنه أمام عالم أكثر تعقيدًا وإبداعًا مما كان يتصور. لقد دخل الإنسان إلى علم الفضاء والفلك بكل تعقيداته واكتشافاته المذهلة، وتعرف إلى أسرار البحار والمحيطات، وتقدم في علوم الجيولوجيا والأنثروبولوجيا، وفكك الكثير من أسرار الجينات والوراثة، وتعرف إلى عالم الذرة والجسيمات، وتعمق في علوم النبات والحيوان والدماغ والإنسان.
ومع كل اكتشاف جديد لا تنتهي الأسئلة، وإنما تظهر أسئلة جديدة أكثر عمقًا. وكلما ظن الإنسان أنه اقترب من نهاية المعرفة، اكتشف أن أمامه مساحات أكبر من المجهول.
ولهذا فإنني أرى أن توسع العلم لا ينبغي أن يخيف المؤمن، بل يمكن أن يفتح أمامه أبوابًا أوسع للتأمل والتدبر. فالعلم حين يكشف لنا شيئًا جديدًا عن الكون والحياة والإنسان، فإنه لا ينتقص بالضرورة من الإيمان، بل يمكن أن يجعل نظرتنا إلى عظمة الخالق أكثر عمقًا.
لكن في الوقت نفسه، ينبغي أن نكون حذرين من المبالغة فيما يسمى «الإعجاز العلمي»، فلا يصح أن نربط كل اكتشاف علمي مؤقت بآية قرآنية، ثم إذا تغيرت النظرية أو ظهر تفسير علمي جديد اضطررنا إلى إعادة تفسير الآية. القرآن ثابت، أما النظريات العلمية فتتطور وتتغير مع تطور المعرفة.
الأجمل، في رأيي، أن نترك القرآن واسعًا كما هو، وأن نقرأه بعقل متدبر، وأن نترك للعلم مجاله، ثم نرى كيف يمكن للمعرفة العلمية أن تساعد الإنسان على فهم بعض جوانب هذا الكون الذي خلقه الله.
فالعلم لا ينبغي أن يكون خصمًا للدين، والدين لا ينبغي أن يكون خصمًا للعلم. إنما المشكلة تبدأ عندما نحول أحدهما إلى أداة لإلغاء الآخر.
وكلما توسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها دائرة التدبر. وكلما اكتشف الإنسان سرًا جديدًا من أسرار الكون والحياة، أدرك أن ما يحيط به من المجهول أعظم بكثير مما عرفه، وأن علم الإنسان مهما اتسع يظل محدودًا أمام علم الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا فإنني لا أرى أن تطور العلم يتعارض مع الإيمان، بل أراه فرصة لكي يعيد الإنسان قراءة الكون بعين أكثر اتساعًا، وقراءة القرآن بعقل أكثر تدبرًا، وأن يفهم أن قوله تعالى: «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» يضع الإنسان دائمًا أمام حقيقة أساسية: مهما بلغ علمنا، فإن فوق علمنا علمًا، وفوق قدرتنا قدرة، وفوق إدراكنا إدراكًا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعقل المتدبر، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل العلم الذي نكتسبه طريقًا إلى مزيد من التواضع والإيمان، لا سببًا للغرور والتعصب، وأن يجعلنا من المتدبرين لكتابه، العاملين بسنة نبيه، الساعين في الأرض علمًا وإعمارًا وخيرًا.



