أخر الأخبار

امل ابو القاسم تكتب : هل نحن أمام تجارة عابرة أم حرب صامتة؟

أمل أبوالقاسم

لم تعد أخبار ضبطيات المخدرات في السودان أحداثًا استثنائية تستوقف الناس كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت تتكرر بوتيرة تدعو إلى القلق. ففي كل مرة تعلن فيها الأجهزة الأمنية عن ضبط شحنات ضخمة من الكبتاجون أو الترامادول أو الكوكايين أو الحشيش الصناعي، أو الكشف عن مصانع لإنتاج المخدرات، يتبادر سؤال أكبر من حجم الضبطية نفسها: كم الذي لم يُضبط؟ وربما تتجلى الإجابة عن هذا السؤال أيضًا في الأخبار المتواترة عن شوارع بعينها في العاصمة المثلثة، باتت وكرًا لتعاطي المخدرات (وعلى عينك يا تاجر).

صحيح أن المخدرات ليست ظاهرة جديدة على السودان، بل هي موجودة في معظم دول العالم، وكانت البلاد تعرف بعض أنماط التعاطي والاتجار قبل اندلاع الحرب. لكن ما تغير بعد الحرب هو حجم الظاهرة ونوعيتها. فلم يعد الحديث يدور عن أفراد يهربون كميات محدودة، وإنما عن مصانع متكاملة، ومواد خام تدخل في التصنيع، وشبكات تمتلك إمكانات مالية ولوجستية كبيرة، بما يشير إلى نشاط منظم يتجاوز مفهوم التجارة التقليدية. ودونكم ضبطية اليوم التي نفذتها الجمارك بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وأسفرت عن ضبط مصنعين للمخدرات.

كذلك، خلال الفترة الماضية، أعلنت السلطات في أكثر من مناسبة عن ضبط مصانع للمخدرات، كما تداولت تقارير عن مواقع تصنيع في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وفي المقابل، تواصل الأجهزة الأمنية تنفيذ عمليات نوعية أسفرت عن ضبط كميات ضخمة من المواد المخدرة والمواد الأولية المستخدمة في إنتاجها، وهو ما يعكس يقظة هذه الأجهزة، لكنه يكشف أيضًا حجم التحدي الذي تواجهه.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل الهدف مجرد تحقيق أرباح مالية، أم أن المخدرات أصبحت أداة من أدوات استنزاف المجتمع وإضعافه؟ وأرجح الاثنين معًا، بيد أن الاحتمال الثاني هو الأقرب. فبعد أن استنزفت الحرب عددًا كبيرًا من شباب السودان قتلاً على يد المليشيا، فليس من المستبعد استهداف عقول من تبقى منهم في أكثر فترات عمر الوطن حرجًا، وهي الفترة التي يحتاج فيها إلى سواعدهم وعقولهم.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: من يهرب المخدرات؟ بل: من المستفيد من تحويل جيل كامل إلى ضحية للإدمان؟

الإجابة عن هذا السؤال مسؤولية جهات التحقيق والأجهزة المختصة، أما مسؤولية المجتمع فهي أن يدرك أن المخدرات ليست مجرد جريمة جنائية، بل خطر استراتيجي يهدد الأمن القومي، ويستوجب تعبئة وطنية شاملة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.

والأهم من كل ذلك هو مسؤولية الأسر عن حماية أبنائها من خلال متابعتهم، ونصحهم، وإرشادهم، فضلاً عن أهمية توفير مراكز ومصحات متخصصة لعلاج الإدمان، للتعامل مع الحالات أولًا بأول. وحيث إن الخطر أصبح يحدق بالوطن والمجتمع، فإن المسؤولية باتت تشاركية لصد هذه الحرب الصامتة التي تمضي جنبًا إلى جنب مع الحرب على الاقتصاد والحرب الدائرة في الميدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى