
بقلم: الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل
“عندما تفشل الجماعات المتطرفة في احتلال الدول بالسلاح، فإنها تحاول احتلالها بالعقول.”
هذه الحقيقة أصبحت اليوم واحدة من أخطر التحديات التي تواجه القارة الإفريقية. فالمعركة لم تعد تقتصر على السيطرة على المدن أو الموارد الطبيعية، وإنما انتقلت إلى ميدان أكثر حساسية وتأثيراً، هو ميدان التعليم وتشكيل الوعي.
لقد أثبتت تجارب العقود الأخيرة في عدد من دول الساحل وغرب إفريقيا أن التطرف العنيف لا يولد في ساحات القتال، بل يبدأ في البيئات الفكرية المغلقة التي تُجرِّد الشباب من قدرتهم على التفكير النقدي، وتغرس فيهم خطاباً يقوم على الإقصاء والكراهية ورفض الدولة الوطنية وتبرير استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية.
ومن هنا، فإن القضية ليست في الدين، وليست في التعليم الديني، فحرية الاعتقاد والتعليم من الحقوق التي تكفلها جميع الدساتير والمواثيق الدولية. كما أن المؤسسات الدينية المعتدلة أسهمت، ولا تزال، في نشر قيم الأخلاق والتسامح والسلام. غير أن الخطر يبدأ عندما تُستغل بعض المؤسسات التعليمية، أيّاً كانت مرجعيتها، لتتحول من منابر للعلم إلى منصات للتعبئة الفكرية، أو إلى أدوات لاستقطاب الشباب وإعادة تشكيل وعيهم بما يخدم مشاريع العنف أو الصراع أو الولاءات العابرة للدولة.
إن إفريقيا اليوم لا تعاني من نقص في الخطاب الديني، وإنما تعاني من نقص في العلماء والباحثين والمهندسين والأطباء وخبراء التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد. ولذلك فإن أي مشروع تعليمي لا يجعل من بناء الإنسان المنتج والمبدع هدفه الأول، ينبغي أن يخضع للتقييم والمراجعة وفق معايير الجودة والشفافية والمساءلة.
لقد خسرت منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة آلاف الأرواح، ونزح الملايين، وأُغلقت آلاف المدارس، وتعطلت التنمية في العديد من المناطق نتيجة تنامي الجماعات المسلحة والمتطرفة. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة واليونسكو أن التعليم الجيد، القائم على التفكير النقدي، واحترام التنوع، وتعزيز المواطنة، يمثل أحد أهم أدوات الوقاية من التطرف، بينما يؤدي تسييس التعليم أو توظيفه أيديولوجياً إلى نتائج خطيرة على الأمن والاستقرار.
ومن زاوية الأمن القومي، فإن حماية المناهج التعليمية أصبحت جزءاً من حماية سيادة الدولة. فكما تحمي الدول حدودها من التهديدات العسكرية، فإن عليها أيضاً أن تحمي جامعاتها ومدارسها من أي اختراق فكري أو أيديولوجي يحولها إلى أدوات لإنتاج الانقسام والكراهية أو تقويض مؤسسات الدولة.
كما أن من واجب الحكومات الإفريقية أن تعزز الشفافية في مصادر تمويل المؤسسات التعليمية، وأن تضمن خضوعها للرقابة الأكاديمية والمالية، وأن تمنع استغلال العمل التعليمي أو الخيري لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو اقتصادية تتعارض مع المصالح الوطنية.
إن القارة الإفريقية تمتلك أكبر قوة شبابية في العالم، وأغنى الموارد الطبيعية، لكن هذه الموارد لن تتحول إلى نهضة حقيقية إلا إذا استثمرت الدول في التعليم المنتج للمعرفة، والبحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، بدلاً من السماح باستنزاف طاقات الشباب في صراعات أيديولوجية لا تنتج سوى الدمار.
ولا يمكن بناء مستقبل إفريقيا على ثقافة الخوف أو الانغلاق، بل على ثقافة العلم والانفتاح والتعددية واحترام القانون. فالحضارات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمختبرات؛ ولا تنهض بالخطب، وإنما بالجامعات التي تُنتج المعرفة، وتُخرج الإنسان القادر على التفكير الحر والإبداع والمسؤولية.
إن إفريقيا تقف اليوم أمام خيار تاريخي واضح: إما أن تجعل التعليم جسراً نحو التنمية والازدهار، أو أن تسمح بتحويله إلى ساحة صراع على عقول شبابها. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل القارة لعقود قادمة.
إن حماية التعليم من التطرف ليست حرباً على الدين، وإنما دفاع عن قدسية العلم، وعن حق كل طفل وشاب إفريقي في أن يتلقى تعليماً يفتح أمامه أبواب المستقبل، لا أن يدفعه إلى دوائر العنف والكراهية. فالمعركة الحقيقية ليست بين الأديان، وإنما بين مشروع يصنع الإنسان، ومشروع يستثمر في تدميره. وسيظل مستقبل إفريقيا مرهوناً بقدرتها على الانتصار للعلم، وللدولة، وللإنسان.


