أخر الأخبار

حبر من نار – المعز محبوب خليفة – مصر والسودان.. حين تتحدث الجغرافيا بلغة المصير

هناك حقائق لا تُقرأ في الكتب، ولا تُختزل في نشرات الأخبار، ولا يمكن أن تنقلها الشاشات مهما بلغت دقتها. فبعض الحقائق لا تُعرف إلا بالمعايشة، ولا تُدرك إلا حين يختلط الإنسان بالناس، ويعيش بينهم، ويرى بأم عينه تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن الضجيج السياسي وصخب التحليلات.

ومن واقع تجربة حقيقية ومعايشة مباشرة في جمهورية مصر العربية الشقيقة، خرجت بقناعة راسخة مفادها أن مصر ليست مجرد دولة مجاورة للسودان، وليست مجرد شريك سياسي أو اقتصادي أو أمني، وإنما هي عمق حضاري واستراتيجي وإنساني للسودان، كما أن السودان يمثل العمق الاستراتيجي والتاريخي لمصر. إنها علاقة أكبر من حدود رسمتها الخرائط، وأعمق من اتفاقيات وقعتها الحكومات، وأبقى من كل الظروف والمتغيرات العابرة.

لقد رأيت مصر كما هي، لا كما تُروى في الروايات، ولا كما تُصورها بعض المنابر. رأيتها في وجوه الناس، وفي أخلاق البسطاء، وفي سلوك الموظف والعامل والتاجر وسائق المركبة، وفي تلك الروح المصرية الأصيلة التي تستقبلك بمحبة صادقة واحترام عفوي لا يحتاج إلى مقدمات.

رأيت شعباً عظيماً يحمل إرث آلاف السنين من الحضارة والعراقة، شعباً يدرك معنى الدولة، ويؤمن بقيمة الاستقرار، ويتمسك بوطنه رغم التحديات الاقتصادية والضغوط المعيشية التي يعلمها الجميع. ومع ذلك لم أفقد في مصر ابتسامة مواطن، ولم أجد باباً مغلقاً في وجه سوداني، ولم أشعر لحظة أنني غريب عن أرض يعرف أهلها أن السودان ومصر ليسا مجرد جارين، بل شقيقان جمعتهما الجغرافيا ووحدتهما الحضارة وربط بينهما نهر خالد اسمه النيل.

وفي الأسواق والطرقات، وفي المؤسسات والمرافق العامة، وفي الأحياء الشعبية قبل الراقية، لمست روحاً مصرية أصيلة تؤمن بأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى على المصالح وحدها، وإنما تقوم على القيم المشتركة والروابط الإنسانية العميقة وحسن الجوار وصدق المواقف.

لقد مرت مصر بظروف اقتصادية معقدة وتحديات كبيرة، ومع ذلك لم يفقد شعبها كرامته ولا أصالته ولا قدرته على العطاء. وظلت الشهامة المصرية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يؤكد أن قوة الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد وإمكانات، وإنما بما تحمله شعوبها من قيم ومبادئ وقدرة على الصبر والثبات.

ولعل أكثر ما يستحق الوقوف عنده بإجلال واحترام هو ذلك الاحتضان الكبير الذي وجده السودانيون في مصر خلال سنوات المحنة التي مر بها السودان. فعندما ضاقت الأحوال بأبناء السودان، فتحت مصر أبوابها قبل مؤسساتها، وقلوب شعبها قبل حدودها، واستقبلت مئات الآلاف من السودانيين الذين وجدوا فيها الأمن والأمان وحسن المعاملة ودفء الأخوة.

ولم يكن ذلك من باب المجاملة السياسية أو الواجب الدبلوماسي، وإنما كان تعبيراً صادقاً عن طبيعة العلاقة التاريخية بين الشعبين، وعن إدراك عميق بأن ما يصيب السودان يمس مصر، وأن ما يؤلم السودانيين يجد صداه في وجدان المصريين.

إن الأمم العظيمة تُعرف في أوقات الشدة، ومصر أثبتت في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها السودان أنها دولة تدرك مسؤولياتها التاريخية والإنسانية والأخلاقية تجاه أشقائها، وأن شعبها ما زال يحتفظ بذلك المعدن الأصيل الذي عرفته الأمة العربية والإفريقية عبر التاريخ.

إن الذي ينظر إلى العلاقات السودانية المصرية من زاوية الخلافات العابرة أو الملفات الجزئية إنما يخطئ قراءة التاريخ والجغرافيا معاً. فهذه العلاقة لم تصنعها السياسة حتى تنهيها السياسة، ولم تبنها الحكومات حتى تهدمها الحكومات.

لقد ربط النيل بين السودان ومصر قبل قيام الدول الحديثة، وربطتهما المصالح المشتركة قبل ظهور النظريات الاستراتيجية، ووحدتهما حركة التاريخ والحضارة منذ آلاف السنين. ولذلك فإن الحديث عن السودان ومصر ينبغي أن يكون حديثاً عن فضاء استراتيجي واحد، تتداخل فيه المصالح والأمن والاقتصاد والثقافة والتعليم والهوية الإنسانية المشتركة.

لقد أثبتت الأحداث والتجارب أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمن مصر، وأن استقرار مصر يمثل ركيزة مهمة لاستقرار السودان والمنطقة بأسرها. فالتحديات التي تواجه البلدين متشابهة، والفرص المتاحة أمامهما متكاملة، والمستقبل الذي ينتظرهما لا يمكن بناؤه إلا بالشراكة والتنسيق والتكامل.

ومن هنا فإن المرحلة القادمة تفرض على النخب السياسية والفكرية والاقتصادية في البلدين الانتقال بالعلاقة من مرحلة الشعارات والعواطف إلى مرحلة التكامل الحقيقي في مجالات الاقتصاد والاستثمار والأمن الغذائي والطاقة والنقل والبنية التحتية والتعليم والثقافة والبحث العلمي.

فما يملكه السودان من موارد طبيعية هائلة، وما تملكه مصر من خبرات متراكمة ومؤسسات عريقة وإمكانات بشرية ضخمة، يمكن أن يصنع نموذجاً استراتيجياً فريداً ليس فقط للبلدين، وإنما للمنطقة بأسرها.

وبعد هذه التجربة والمعايشة المباشرة، وبعد أن رأيت مصر بعيني وعشت بين أهلها وتلمست أخلاق شعبها وكرم إنسانها، أجد نفسي مدفوعاً لأن أبعث برسالة احترام وتقدير عميقة إلى الشعب المصري الكريم، وإلى حكومة جمهورية مصر العربية، تقديراً لما وجدناه من حسن استقبال وكرم ضيافة ومعاملة راقية تعكس عظمة هذا البلد وأصالة أهله.

شكراً لمصر قيادةً وحكومةً وشعباً.

شكراً لكل مصري قابلناه فوجدنا فيه الأخ والصديق والسند.

شكراً لهذا الوطن العربي الكبير الذي أثبت مرة أخرى أن العلاقات بين السودان ومصر ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، وإنما حقيقة راسخة يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.

وأقولها بكل صدق ويقين، لا مجاملة فيها ولا مبالغة:

إن قوة مصر ليست في عدد سكانها فقط، ولا في مؤسساتها العريقة فحسب، بل في معدن شعبها الأصيل الذي ظل محافظاً على قيمه النبيلة رغم تعاقب الأزمات والتحديات.

وأقول كذلك:

لن يكون السودان قوياً بمعزل عن مصر، ولن تكون مصر أكثر أمناً واستقراراً بمعزل عن السودان، فالمصير واحد، والجغرافيا واحدة، والتاريخ واحد، والتحديات واحدة، والمستقبل أيضاً واحد.

حفظ الله مصر الكنانة.

وحفظ الله السودان الوطن العزيز.

وحفظ الله أواصر المحبة والإخاء بين الشعبين الشقيقين.

فالسودان ومصر ليسا بلدين متجاورين فحسب، بل هما قصة تاريخ ممتدة، وحضارة متصلة، ومصير مشترك، ونبض واحد يسري في قلب وادي النيل منذ فجر الإنسانية وحتى قيام الساعة.

**مصر والسودان وطنان في الخريطة، لكنهما في الحقيقة شعب واحد في قلبين، ومصير واحد لا ينف ومستقبل لا يكتمل
إلا بهما معآ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى