أخر الأخبار

بين وهم التمثيل وغياب الشرعية الشعبية: كيف اختطفت النخب المتصارعة صوت السودان؟

بقلم الدكتور: أحمد عبدالله إسماعيل

في خضم واحدة من أسوأ الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخ السودان الحديث، لا تزال بعض القوى السياسية والمليشيات المسلحة تنفق جلّ طاقتها ومواردها في سباق محموم لإقناع المجتمعين الإقليمي والدولي بأنها الممثل الشرعي للشعب السوداني، وأنها صاحبة الحق الحصري في التحدث باسمه ورسم مستقبله. غير أن هذه الادعاءات تصطدم بحقائق الواقع، وتنهار أمام سجل طويل من الفشل والانقسامات والصراعات التي ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إيصال البلاد إلى ما هي عليه اليوم.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن غالبية هذه الكيانات لم تنشأ على أسس وطنية جامعة، بل تشكلت في كثير من الأحيان داخل دوائر ضيقة تحكمها الولاءات الأسرية والطائفية والقبلية والجهوية، وظلت أسيرة مصالح النخب أكثر من ارتباطها بمصالح المواطنين. وبينما ترفع شعارات الديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان، فإن ممارساتها الداخلية كثيرًا ما تعكس غياب المؤسسية والشفافية والتداول الديمقراطي، الأمر الذي أفقدها القدرة الأخلاقية والسياسية على تقديم نفسها نموذجًا للحكم الرشيد أو التغيير المنشود.

إن المأساة السودانية الراهنة ليست نتاج الحرب وحدها، وإنما هي حصيلة تراكمات طويلة من الفشل السياسي وسوء إدارة التنوع الوطني واستغلال الانتماءات الضيقة لتحقيق مكاسب سلطوية على حساب وحدة الدولة ومصالح المواطنين. وقد لعبت النخب السياسية والعسكرية المتصارعة دورًا محوريًا في إنتاج هذا الواقع، سواء عبر تأجيج الاستقطاب، أو تغليب المصالح الفئوية، أو تعطيل فرص التحول الديمقراطي والاستقرار المستدام.

ورغم حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان اليوم، حيث قُتل عشرات الآلاف، وشُرّد الملايين، وانهارت الخدمات الأساسية، وتعرض المدنيون لانتهاكات جسيمة، لا تزال بعض هذه القوى تتعامل مع المشهد الوطني بعقلية المنافسة على النفوذ والتمثيل السياسي، وكأن معاناة الشعب ليست سوى تفصيل ثانوي في معركة البحث عن الشرعية والسلطة. فبدلًا من توحيد الجهود لإنقاذ الوطن، تستمر الصراعات البينية ومحاولات استعراض القوة وكسب الاعتراف الخارجي، بينما يتراجع الاهتمام بالقضايا الحقيقية التي تمس حياة المواطنين وأمنهم ومستقبلهم.

والمؤسف أن بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين ما زالوا يقاربون الأزمة السودانية من خلال هذه النخب ذاتها، متجاهلين حقيقة أن الشرعية لا تُكتسب من قاعات الاجتماعات أو البيانات السياسية أو الدعم الخارجي، وإنما تُستمد من المواطنين أنفسهم ومن القدرة على تمثيل تطلعاتهم والدفاع عن مصالحهم. وقد أثبتت السنوات الماضية أن الاستثمار السياسي في القوى التي ساهمت في صناعة الأزمة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاجها بصورة أكثر تعقيدًا وخطورة.

لقد كشفت اللقاءات والمؤتمرات السياسية المتعددة التي عُقدت بشأن السودان حجم التناقضات والانقسامات بين هذه الأطراف، وعجزها عن تجاوز حساباتها الضيقة أو الاتفاق على مشروع وطني جامع. وفي كل مرة يتكرر المشهد ذاته: صراع على المقاعد، وتنافس على الاعتراف، ومحاولات لاحتكار تمثيل الشعب، بينما تغيب الرؤية الوطنية القادرة على معالجة جذور الأزمة وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.

إن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يكمن في اختيار أي جماعة سياسية أو عسكرية لتتحدث باسمه، بل في استعادة حق المواطنين أنفسهم في تقرير مستقبلهم بعيدًا عن هيمنة النخب التي احتكرت القرار الوطني لعقود طويلة. فالشعب السوداني أكبر من الأحزاب، وأبقى من المليشيات، وأوسع من مشاريع الهيمنة والاستقطاب التي مزقت البلاد وأضعفت مؤسساتها.

إن بناء سودان جديد ومستقر يتطلب تجاوز منطق المحاصصة والنفوذ والولاءات الضيقة، والانحياز إلى مشروع وطني قائم على المواطنة المتساوية والعدالة والشفافية والمساءلة واحترام التنوع. كما يتطلب عدم السماح لمن تلطخت أيديهم بإشعال الصراعات أو تغذية الانقسامات أو المتاجرة بمعاناة المواطنين بأن يحتكروا رسم ملامح المستقبل أو إعادة إنتاج أنفسهم تحت مسميات جديدة.

ويبقى المعيار الحاسم لأي مشروع سياسي أو وطني هو قدرته على كسب ثقة الشعب السوداني وخدمة مصالحه، لا حجم القبول الذي يحظى به لدى الأطراف الخارجية. فالأوطان لا تُبنى بالاعترافات الدولية وحدها، وإنما تُبنى بالإرادة الشعبية والقيادة المسؤولة والرؤية الوطنية الصادقة.

لقد آن الأوان لأن يستعيد السودانيون صوتهم المختطف، وأن يرفضوا محاولات احتكار تمثيلهم أو التحدث باسمهم دون تفويض حقيقي، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق مصالح الجماعات والأفراد. فالسودان لن يخرج من أزمته عبر إعادة تدوير الفشل، بل عبر تأسيس عقد وطني جديد يكرس قيم الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية، ويمنح الأولوية للإنسان السوداني وحقه في الحياة الكريمة والأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.

https://www.facebook.com/share/14mhoxK6XBk/?mibextid=wwXIfr

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى