أخر الأخبار

بين التفكك والتماسك: إعادة تشكيل الإنسان في السودان في زمن الحرب

بقلم : دكتور عبد الناصر سلم

ليست الحرب مجرد صراع على السلطة أو الأرض، بل لحظة كاشفة تعيد تشكيل الإنسان نفسه، وتعيد تعريف علاقته بالأمن والانتماء والمجتمع.

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحوّلت إلى ظاهرة مركّبة تتجاوز حدود القتال المباشر لتطال بنية المجتمع والإنسان معًا. فالحرب، في سياقها الراهن، لا تعمل فقط عبر أدواتها العسكرية، بل من خلال منظومة أوسع يمكن فهمها بوصفها عملية “هندسة” تعيد تشكيل السلوك الاجتماعي وأنماط التفكير، وتعيد ترتيب الأولويات بما يتوافق مع ديناميات النزاع واستمراريته. غير أن هذه العملية لا تبدأ مع اندلاع الحرب، بل تكشف عنها؛ إذ تمثل الحرب لحظة تكثيف لبنى كانت قائمة قبلها، فتُظهر ما كان كامنًا، وتسرّع ما كان يجري ببطء، بحيث تبدو نتائجها امتدادًا لما سبقها بقدر ما هي انكشاف لحدوده. وربما تكمن أهمية هذه اللحظة في أنها لا تُظهر ما تغيّر فقط، بل ما كان قائمًا ولم يُلاحظ.

يتجلى هذا التحول في إعادة صياغة العلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي. ففي بيئة يتراجع فيها اليقين، وتتآكل فيها مؤسسات الدولة، لا يحدث فقط فراغ في السلطة، بل انكشاف لطبيعة حضورها السابق. وهنا، يقترب الواقع من التصور الذي قدّمه توماس هوبز، حين ربط غياب السلطة بانعدام الأمن وتحول البقاء إلى الهاجس الأول للإنسان. فالدولة التي تبدو غائبة في لحظة الحرب، لم تكن بالضرورة حاضرة بالقدر الكافي في زمن السلم، بل كانت تمارس حضورًا متفاوتًا، يختلط فيه الرسمي بالهش.

ولا يقتصر هذا التحول على المجال المؤسسي، بل يمتد إلى التجربة الإنسانية في عمقها. فمع فقدان الإحساس بالأمن، لا يفقد الإنسان عنصرًا من عناصر حياته فحسب، بل يفقد الإطار الذي تنتظم داخله هذه العناصر. إذ يتراجع الشعور بالاستقرار، وتختل العلاقة بالزمن، ويتحوّل المستقبل من مجال للتخطيط إلى أفق معلّق، بينما يفرض الحاضر الطارئ نفسه بوصفه الزمن الوحيد الممكن. وفي هذا السياق، لا يعود التكيّف استجابة ظرفية، بل يتحول إلى شرط دائم يعيد تشكيل الإدراك والسلوك معًا، ويعيد تعريف معنى الاستمرارية بوصفها بقاءً لا استقرارًا.

ويُعد النزوح القسري أحد أبرز تجليات هذا التحول، ليس لأنه يغيّر المكان فقط، بل لأنه يعيد تركيب العلاقات التي يقوم عليها المجتمع. فمع تفكك شبكات القرابة والجوار والعمل، لا ينشأ فراغ اجتماعي حقيقي، بل يُعاد تنظيمه وفق منطق جديد يقوم على الحماية المباشرة وتبادل الموارد. وفي مشهد يتكرر في مدن عديدة، تجد أسرًا اضطرت إلى مغادرة منازلها في ساعات قليلة، وغالبًا دون أي استعداد أو تصور لما سيأتي، لتبدأ حياة جديدة داخل بيوت أقارب أو غرباء، حيث تُعاد صياغة العلاقات على أساس الحاجة أكثر من الاختيار، ويتحوّل الانتماء من إطار مستقر إلى حالة مؤقتة مرتبطة بالبقاء. وهنا، يبرز ما أشار إليه إميل دوركايم حول أن تماسك المجتمعات لا يقوم على القوانين وحدها، بل على شبكة من العلاقات والاعتماد المتبادل؛ وهي الشبكة التي تتعرض للاهتزاز في سياق الحرب، ليُعاد تشكيلها في صور أكثر ضيقًا.

ولا تقف آثار الحرب عند حدود البنية الاجتماعية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي والحس الأخلاقي. ففي سياق يتكرر فيه العنف، يفقد هذا العنف طابعه الاستثنائي، ويتحول تدريجيًا إلى جزء من الإدراك اليومي. ولم يعد الأمر يقتصر على الاعتياد، بل وصل في بعض الأحيان إلى حد التفاعل مع مشاهد القسوة ببرود، أو حتى بنوع من التلقي الذي يقترب من التقبل، في دلالة عميقة على حجم التحول الذي أصاب الحس الإنساني. وهنا يمكن استحضار تحليلات ميشيل فوكو، الذي أشار إلى أن أنماط القوة لا تعمل فقط عبر القمع، بل عبر إعادة تشكيل الإدراك والمعايير. فالعنف، مع التكرار، لا يُرفض فقط، بل يُعاد تفسيره، وقد يُدمج ضمن ما يُعد طبيعيًا أو مفهومًا في سياقات معينة.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة الانتماء بوصفها نقطة مفصلية. فالحرب لا تخلق الانتماءات الأولية، لكنها تعيد تفعيلها حين تفقد الدولة قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية في الحماية. ومن ثم، فإن عودة القبيلة أو الجهة لا تعكس بالضرورة رفضًا للوطن، بل تعكس غياب قدرته الفعلية على أن يكون إطارًا حاميًا. فالمسألة هنا ليست صراع هويات بقدر ما هي صراع وظائف، حيث يتجه الأفراد نحو الإطار القادر على الاستجابة لاحتياجاتهم المباشرة.

ومع ذلك، فإن الحرب لا تنتج التفكك فقط، بل تعيد أيضًا إنتاج أشكال من التماسك. فالتكافل الاجتماعي الذي يظهر في مثل هذه السياقات لا يمكن فهمه بوصفه تعبيرًا أخلاقيًا خالصًا، بل بوصفه آلية يعيد بها المجتمع إنتاج نفسه في غياب الدولة، في محاولة للحفاظ على حد أدنى من الاستقرار داخل واقع متحوّل.

وفي سياق هذه التحولات، لا يُعاد تشكيل العلاقات فقط، بل يُعاد أيضًا تعريف ما يُعد ذا قيمة. ففي زمن الحرب، تتغير معايير المكانة، حيث تتقدم القدرة على الحماية أو الوصول إلى الموارد أو إدارة الخطر على غيرها من المعايير المرتبطة بالاستقرار، ما يعيد ترتيب الهرمية الاجتماعية وفق منطق جديد.

على المستوى الاقتصادي، يتكامل ذلك مع توسع اقتصاد الحرب، الذي لا يعمل فقط كنتاج للصراع، بل كإطار يعيد إنتاجه. فهذا الاقتصاد يفرض أنماطًا من السلوك والاعتماد يصعب تفكيكها لاحقًا، ما يجعل الحرب تمتد إلى ما بعدها، ليس بوصفها حدثًا، بل بوصفها بنية.

ضمن هذه البيئة، لا يعيش الإنسان السوداني الحرب كمرحلة عابرة، بل كإطار يعيد تعريف شروط وجوده. فالحرب لا تغيّر ما يفعله الإنسان فقط، بل تغيّر ما يمكن أن يكونه، وتعيد رسم حدود الممكن داخل حياته اليومية.

وعليه، فإن ما تكشفه هذه الحرب لا يتعلق فقط بحدود الدولة، بل بطبيعة العلاقة التي قامت بينها وبين المجتمع. فالأزمة لا تكمن في انهيار هذه العلاقة، بل في كونها لم تصل أصلًا إلى درجة من التماسك تسمح لها بالصمود. ومن ثم، فإن الحديث عن عقد اجتماعي جديد لا ينبغي فهمه بوصفه خيارًا إصلاحيًا، بل بوصفه شرطًا لإعادة تأسيس المجتمع ذاته.

غير أن هذا التأسيس لا يتحقق بمجرد الرغبة فيه، بل يتطلب إعادة ترتيب عميقة في مصادر السلطة والشرعية والموارد، بحيث يصبح الانتماء الوطني قادرًا على أداء وظيفة فعلية، لا مجرد دور رمزي.

وفي هذا التوتر بين التفكك والتماسك، لا يتحدد فقط مستقبل الدولة، بل حدود ما يمكن أن يبقى من الإنسان نفسه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى