
بقلم :
المعز مجذوب خليفة
حين تضيق الأوطان بأهلها، وتتكالب عليها الأزمات من كل صوب، لا يُقاس الرجال بكثرة ما يملكون، بل بقدرتهم على الصمود حين يتراجع الآخرون، وبشجاعتهم في اتخاذ القرار حين يتردد الجميع. ومن هنا، يبرز اسم المشير عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، بوصفه أحد أولئك الذين وُضعوا في قلب العاصفة، فاختاروا أن يكونوا جدارها لا حطامها.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان محفوفًا بالرهانات الخاسرة، والتشكيك المستمر، والظنون التي ذهبت بعيدًا في التقليل من قدرته على إدارة دفة البلاد. قيل إنه لن يصمد، وإن السودان أكبر من أن يُدار وسط تلك العواصف، لكن ما لم يدركه أولئك هو أن الرجال الذين تخرجوا من رحم الكلية الحربية السودانية، لا يُقاسون بمعايير اللحظة، بل بثباتهم عبر المحن، وبصلابتهم حين تشتد الخطوب.
فالكلية الحربية لم تكن يومًا مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت مصنعًا للرجال، ومدرسةً للوفاء والانتماء، تغرس في نفوس منتسبيها أن الوطن أولًا، وأن التضحية من أجله ليست خيارًا بل واجب. ومن هذا المعين العميق، استقى المشير البرهان زاده، فكان ذلك الوقود الذي مكنه من الوقوف بثبات في وجه التحديات، مهما عظمت.
لقد وجد السودان في مرحلة حرجة، تتنازعه الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وكأن البلاد قد أُودعت في نفق مظلم لا مخرج منه. لكن القيادة الحقيقية لا تُقاس بسلامة الظروف، بل بقدرتها على صناعة الأمل من قلب المعاناة. وهنا، كان الرهان الحقيقي: هل يستطيع هذا القائد أن يعيد توجيه البوصلة؟ أن ينتشل الوطن من حافة التمزق؟ أن يحفظ ما تبقى من تماسك الدولة؟
والإجابة لم تكن كلمات، بل أفعال تُكتب على أرض الواقع. فقد كان الثبات هو العنوان الأبرز، والتمسك بوحدة السودان هو الهدف الذي لم يتزحزح. لم يكن المشهد سهلًا، ولم تكن القرارات بلا كلفة، لكن من يقود في زمن الانهيار لا يملك رفاهية التردد.
إن الرهان على المشير البرهان لم يكن رهانًا على شخص بقدر ما كان رهانًا على مدرسة، على تاريخ عسكري عريق، على عقيدة راسخة بأن السودان أكبر من أن يُترك للفوضى، وأن مؤسساته قادرة – مهما اشتدت الأزمات – على النهوض من جديد.
وفي خضم هذه التحديات، تتجلى قيمة القيادة التي لا تنكسر، والتي تدرك أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالصبر، والتضحيات، والعمل الدؤوب. فالتاريخ لا يكتب سطور المجد في أوقات الرخاء، بل ينحتها في صخور الشدائد.
ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن المشير البرهان ليس مجرد قائد لمرحلة عابرة، بل خيارٌ يتقدم في الوجدان الوطني بوصفه الأنسب لقيادة السودان مستقبلًا؛ خيارٌ فرضته المعطيات، وصاغته التجربة، وعززه الثبات في الميدان. شاء من شاء وأبى من أبى، يظل معاليه – في نظر مؤيديه – أحد أبرز الخيارات التي يلتف حولها قطاع واسع من أهل السودان، لما يمثله من رمزٍ للانضباط، وحفظ الدولة، والسعي نحو استعادة الاستقرار.
وهكذا، يبقى المشير البرهان نموذجًا لقائدٍ اختار أن يخوض معركة البقاء من أجل وطنه، متكئًا على إرثٍ عسكريٍ عظيم، ومستندًا إلى قناعة راسخة بأن السودان، مهما تعثّر، قادر على النهوض… لأن فيه رجالًا إذا عاهدوا أوفوا، وإذا أقسموا صدقوا، وإذا حملوا الأمانة لم يفرطوا فيها .



