أخر الأخبار

خبر وتحليل – عمار العركي – الخارجية بين الإصلاحات وضجيج الاتهامات

 

▪️في خضم القرارات الأخيرة التي استهدفت إصلاح مؤسسات “القطاع العام” الداخلي، يبرز سؤال مشروع لا يقل أهمية عن تلك الخطوات نفسها: ماذا عن “القطاع الدبلوماسي” الخارجي؟ وما هو موقعه من هذه المراجعات والإصلاحات التي طالت أجهزة الدولة المختلفة؟
فالدبلوماسية لاتنفصل عن الواقع الداخلي، بل هي امتداد طبيعي للدولة خارج حدودها. وكل ما يحدث في الداخل ينعكس بصورة مباشرة على أداء السياسة الخارجية، والعكس صحيح.
▪️لذلك فإن أي حديث عن إصلاح مؤسسي لا يكتمل دون التوقف عند القطاع الدبلوماسي، خاصة في ظل تقاطع التحديات الداخلية مع التحديات الإقليمية، خصوصاً على مستوى دول الجوار ومنطقة القرن الإفريقي.
▪️وفي خضم جدل القرارات الإصلاحية الأخيرة، لفت انتباهي أن بعض الأقلام سارعت إلى تناول ملف العمل الخارجي على ضوء تلك القرارات، لكن – وكما جرت العادة – انتهى الأمر مرة أخرى إلى إلقاء اللائمة كاملة على رئيس الوزراء الدكتور “كامل إدريس” ومستشاره السفير “بدر الدين الجعيفري”، وكأنَّ الرجلين هما المسؤولان الوحيدان عن كل ما جرى ويجري داخل وزارة الخارجية.
▪️وفي تقديري، فإن هذا تبسيط مخلّ للواقع .فالأزمة التي تعانيها الخارجية اليوم ليست وليدة هذه المرحلة، ولا هي نتاج قرارات فردية معزولة، بل هي حصيلة تراكمات ممتدة منذ سنوات طويلة بدأت ملامحها في سنوات حكم الإنقاذ، ثم تفاقمت خلال مرحلة ما بعد 2019، وبلغت ذروتها مع ظروف الحرب وما فرضته من ضغوط غير مسبوقة.
▪️والقاسم المشترك في هذه الأزمة ظل يتمثل في تعدد مراكز القرار والتدخلات الفوقية في مهام وصلاحيات الوزارة، إلى جانب التوسع في التعيينات السياسية لسفراء من خارج السلك الدبلوماسي في مواقع حساسة، وهو أمر أضر بشكل مباشر بعلاقات السودان الخارجية وبقدرة الوزارة على إدارة مصالحه في المحافل الإقليمية والدولية.
▪️وقد كان طلب الإعفاء – وليس الإقالة كما جرى تصويره – الذي تقدم به الوزير الأسبق السفير د. علي يوسف شاهداً واضحاً على حجم هذه الإشكالات، قبل أن تأتي استقالة خلفه الوزير السابق السفير د. عمر صديق ، ولا استبعد ذهاب الوزير الحالي ، لتؤكد أن المشكلة لم تكن في الأشخاص بقدر ما كانت في بيئة العمل والتداخل في الصلاحيات. والحقيقة أن كل من د. علي ود. عمر من بين أكفأ من تعاقبوا على إدارة الوزارة في السنوات الأخيرة، بل ربما كانا من أنجحهم رغم قصر فترتهما والظروف المعقدة التي عملا في ظلها.
▪️كما أن الفراغ الإداري الذي استمر لأكثر من أربعة أشهر دون وجود وزير للخارجية ظل شاهداً واضحاً على حالة التنازع بين مراكز القوى داخل دوائر اتخاذ القرار، وهو ما حال دون التوافق على اسم واحد رغم كثرة الأسماء المطروحة في كابينة القيادة.
▪️أما مستشار رئيس الوزراء للشؤون الدبلوماسية السفير بدر الدين الجعيفري، فلم يأتِ بنهج مختلف عما وجده من الممارسات داخل الوزارة، إذ استمر العمل بذات الأسلوب الشخصي والمزاجي في إدارة ملف التعيينات والتنقلات الداخلية دون مراعاة كافية لمعايير الكفاءة المهنية والتدرج الوظيفي التي يقوم عليها تقليد العمل الدبلوماسي.
▪️غير أن اختزال أزمة الخارجية في شخص أو مستشار لن يكون تشخيصاً دقيقاً للمشكلة، لأن القضية في جوهرها أعمق من الأشخاص. إنها أزمة إدارة مؤسسية وصلاحيات متداخلة تحتاج إلى مراجعة شاملة تعيد ترتيب العلاقة بين مراكز القرار المختلفة، وتمنح المؤسسة الدبلوماسية ما تستحقه من استقلال مهني وانضباط إداري.
إن إصلاح وزارة الخارجية لا ينبغي أن يُختزل في تغيير الأشخاص بقدر ما يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسة الدبلوماسية نفسها، وتوحيد مركز القرار في إدارة الملف الخارجي، واحترام المهنية داخل السلك الدبلوماسي، حتى تستعيد الدبلوماسية السودانية دورها الطبيعي في الدفاع عن مصالح البلاد وصون علاقاتها الخارجية.
*▪️خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️السيد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وكابينة القيادة، إن أرادوا إصلاحاً حقيقياً للقطاع الدبلوماسي، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر الاجتهادات الفردية أو الدوائر الضيقة، وإنما عبر الاستعانة بأهل الخارجية أنفسهم؛ فهم الأدرى بتعقيدات العمل الدبلوماسي وبشعابه المهنية والإدارية، وهم الأقدر على تشخيص مكامن الخلل واقتراح سبل المعالجة.
▪️ وفي مقدمة هؤلاء من تعاقبوا على قيادة الوزارة أو خدموا فيها بكفاءة وخبرة، مثل الدكتور علي يوسف والسفير عمر صديق، إلى جانب كوكبة من السفراء والخبراء الذين راكموا تجربة دبلوماسية معتبرة، من أمثال معاوية التوم، ومعاوية عثمان خالد، وعبدالغني النعيم، ومحمد عبدالعال، وبابكر صديق، وعمر عيسى، وأنس الطيب الحيلاني، ونادر يوسف، وإبراهيم الزين… وغيرهم كثير من أبناء السلك الدبلوماسي الذين يزيّنون عقد الخارجية بخبراتهم وتجاربهم،ويحملون في صدورهم من المعرفة المتراكمة ما يكفي لإعادة ترتيب البيت الدبلوماسي على أسس مهنية راسخة.
▪️فهؤلاء ملؤهم الوطن والوطنية، وخبرتهم ليست مجرد سير ذاتية مكتوبة، بل تجارب عملية في إدارة علاقات السودان مع العالم. ومشاورتهم في مثل هذه المرحلة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية.
فـ شاورهم في الأمر… لن تضلوا ولن تخيبوا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى