أخر الأخبار

للحقيقة لسان – رحمة عبد المنعم – المؤتمر القومي للشباب.. أوراق وابتكارات (3–4)

 

في اليوم الثالث من المؤتمر القومي الأول لمعالجة قضايا الشباب، الذي تنظمه وزارة الشباب والرياضة الاتحادية بمدينة عطبرة، لم يعد النقاش ترفاً ذهنياً، ولا الكلمات مجرد شعارات عابرة، بل بدا المشهد أقرب إلى ورشة وطنية مفتوحة، تحاول أن تمسك بخيط المستقبل وسط واقع مثقل بالحرب، والبطالة، والأسئلة المؤجلة،كان يوماً كثيف الدلالات، حيث التقت التكنولوجيا بالهمّ الاجتماعي، والعقل العلمي بالخطر الداهم، في قاعة واحدة اجتمعت فيها أوراق علمية يمكن اختصار عنوانها الكبير في كلمتين: العمل والحياة.

أبرز ما ميّز اليوم ورقة المهندس خالد أبوعلي حول فرص عمل الشباب في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي،لم يتحدث الرجل بلغة الانبهار التقني، ولا قدّم الذكاء الاصطناعي ككائن أسطوري يهدد الوظائف ويبتلع الإنسان، بل قدّمه كأداة باردة ومحايدة، يمكن أن تكون باباً للأمل إذا أُحسن استخدامها، أو سببًا لمزيد من التهميش إذا تُركت خارج التخطيط.

بهدوء العارف، وضع أبوعلي يده على جوهر المسألة: المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في الفجوة بين التعليم وسوق العمل، بين مهارات الشباب ومتطلبات العصر،دعا إلى تدريب تقني حقيقي، لا شهادات تزيينية، وإلى تعميم الخدمات الرقمية في الولايات، وربط الريادة بالواقع المحلي، لا بنماذج مستوردة، كانت ورقته أشبه بمرآة وُضعت أمام الجميع، فحظيت بإشادة واسعة من المشاركين، الذين رأوا فيها طرحاً عملياً يخرج من التنظير إلى مساحات التنفيذ.

في الجلسة ذاتها، بدا واضحًا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا نخبوياً، بل قضية سيادية، وأن العمل عن بُعد، وحاضنات الابتكار، والاقتصاد الرقمي، يمكن أن تتحول إلى أدوات فاعلة لامتصاص البطالة وإعادة إدماج الشباب في دورة الإنتاج، متى ما توفرت الإرادة والسياسات.

وعلى الضفة الأخرى من اليوم، انتقل المؤتمر من أسئلة المستقبل إلى جراح الحاضر، مع ورقة الدكتورة ريان طلعت حول قضية المخدرات وآثارها الصحية والاجتماعية، هنا تغيّر الإيقاع، ومال الخطاب من الأرقام والتقنيات إلى التحذير والقلق،لم تتعامل الورقة مع المخدرات كظاهرة أمنية فقط، بل كقضية صحة عامة، وأزمة اجتماعية تهدد البنية الأخلاقية والاقتصادية للمجتمع.

تحدثت الدكتورة ريان بوضوح مؤلم عن آثار الإدمان، وعن الخسائر الصامتة التي لا تُحصى: عقول تُستنزف، وأسر تتفكك، وشباب يُدفعون إلى الهامش، ودعت إلى محاربة الوصمة الاجتماعية، والتعامل مع المدمن بوصفه مريضاً يحتاج إلى علاج لا إلى إدانة، مؤكدة أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والإعلام، قبل أن تصل إلى القانون.

النقاش الذي أعقب الورقة كشف حجم القلق، لكنه أظهر أيضاً وعياً متنامياً بأن الحرب على المخدرات لا تُخاض بالشعارات وحدها، بل بخطط متكاملة، وتنسيق مؤسسي، وتوعية مستمرة، خاصة في ظل ظروف ما بعد الحرب، حيث تتكاثر الهشاشة وتتسع الفجوات.

ما بين ورقة الذكاء الاصطناعي وورقة المخدرات، بدا اليوم الثالث للمؤتمر وكأنه يقول إن معركة الشباب السوداني اليوم مزدوجة: معركة من أجل العمل، ومعركة من أجل الحياة. الأولى تحتاج إلى معرفة وتخطيط، والثانية تحتاج إلى وعي وحماية.

وفي ختام جلسة اليوم الثالث، جاء تكريم وزير الشباب والرياضة الاتحادي، البروفيسور أحمد آدم، ووكيل الوزارة الدكتور هاني أحمد تاج السر، وكذلك والي نهر النيل الدكتور محمد البدوي، من قبل الهيئة الشبابية للإعمار والتعافي الوطني، ليؤكد أن هذا المؤتمر لم يكن حدثاً بروتوكولياً، بل جهداً تراكمياً يجد صداه لدى الفاعلين في الحقل الشبابي.

هكذا اختتم اليوم الثالث أعماله، تاركاً انطباعاً بأن الشباب لم يعودوا موضوعاً للحديث، بل شركاء في صياغة الأسئلة والبحث عن الإجابات،مؤتمر لا يدّعي امتلاك الحلول كلها، لكنه يفتح النوافذ، ويترك للضوء أن يدخل، وهذا في زمن العتمة، إنجاز لا يُستهان به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى