تأملات
جمال عنقرة
السودان .. بين المدنية والعسكرية
قد لا يكون العنوان معبرا تعبيرا دقيقا عن كنه الموضوع الذي أنوى مناقشته، ولكنها أزمة المصطلح التي نعيشها تدخل المعاني بعضها فوق بعض، والمبتغي هو علاقة الجيش السوداني بالسلطة، ولقد شاب هذه العلاقة تشويه كبير، لعل أقصاه ما بلغه في هذا العهد الانتقالي لثورة ديسمبر، حيث بلغ درجة يسمي فيها المشاركون في السلطة باسم المؤسسة العسكرية انقلابيين.
ودعونا نتساءل أولا، هل حدث للمؤسسة العسكرية السودانية أن انقلبت علي حكم ديمقراطي كما يزعم البعض، ولتكن اجابتنا من خلال استعراض الانقلابات الثلاثة التي شهدها السودان، فإنقلاب نوفمبر 1958م، لم يكن سوى تسليم وتسلم بين الحكومة الحزبية والمؤسسة العسكرية، فلما احتدم الصراع والاستقطاب بين الحزبين الكبيرين الأمة، والاتحادي، وارتاب رئيس الوزراء السيد عبد الله بك خليل من التقارب الذي حدث بين الاتحاديين والأشقاء بقيادة مصر، وخشى أن يقود ذلك إلي إسقاط حكومته، وسيطرة مصرية علي المشهد السياسي السوداني، بادر واستدعي الجيش لاستلام السلطة، واستجاب القائد العام الفريق إبراهيم عبود لنداء رئيس الوزراء، وكانت هذه هي قصة حكومة نوفمبر 1958م.
وفي مايو 1969م، دبر الشيوعيون انقلابا علي الحكومة الديمقراطية انتقاما لطرد نوابهم المنتخبين من البرلمان علي إثر واقعة ندوة معهد المعلمين العالي المشهورة، ونفذوا الإنقلاب عبر ضباطهم الملتزمين في الجيش، بالتعاون مع بعض الضباط اليساريين والقوميين العرب، وقدموا العقيد جعفر محمد نميري للقيادة والرئاسة لما عرف عنه من مواقف وطنية مشهودة تجلت في ثورة أكتوبر 1964م، وشخصيته الكارزمية المعروفة، وبعد نحو عامين، وتحديدا في التاسع عشر من شهر يوليو عام 1971م، حاولوا الإنفراد بالسطة، ونجحوا في ذلك عبر الإنقلاب الذي قاده كادرهم في الجيش المقدم هاشم العطا، واستولوا علي السلطة لثلاثة أيام عاد بعدها نميري محمولا علي أعناق الجماهير، وقضي علي كل قادة الحزب المدنيين والعسكريين الذين وقفوا وراء ذلك الإنقلاب.
وفي الثلاثين من يونيو عام 1989م، نفذت الجبهة الإسلامية القومية انقلابا علي حكومة الديمقراطية الثالثة التي أقصوها منها عبر مذكرة الجيش المشهورة، والتي تواطأ فيها بعض القادة العسكريين مع بعض القيادات السياسية الحزبية، بدعم خارجي، وكانت الإنقاذ هي الانقلاب الثالث علي السلطة، وكل هذه الانقلابات الثلاثة كانت بتدابير حزبية، ولم يكن للمؤسسة العسكرية دور فيها، وأعني المؤسسة العسكرية عبر قيادتها وهيئة أركانها.
وفي المقابل فإن الثورات الشعبية الثلاث التي قضت علي حكومات ديكتاتورية وأعادت الديمقراطية كان دور الجيش فيها هو الدور الحاسم، ففي أكتوبر عام 1964م، ما أن خرجت الجماهير عقب ندوة الجنوب المشهورة في جامعة الخرطوم، وطالبت الجيش بالخروج من المشهد السياسي والعودة إلى ثكناتهم، سارع الفريق عبود بتسليم السلطة إلي حكومة انتقالية برئاسة الأستاذ سر الختم الخليفة وذهب إلى بيته، وعاد الجيش الي ثكناته، وكما ذكرت من قبل أن الفريق عبود استلم الحكم استجابة لدعوة رئيس الوزراء، وتنازل عنه استجابة لنداء الشعب.
وفي أبريل عام 1985م، عندما خرجت المظاهرات تطالب بسقوط حكومة مايو اجتمعت قيادة الجيش برئاسة القائد العام المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، وقررت استلام السلطة، ودعت المعارضة ممثلة في التجمع الوطني لتشكيل حكومة انتقالية لمدة عام تجري بعدها انتخابات عامة تسلم بموجبها السلطة إلي من يختاره الشعب، ويمنحه التفويض، وشكل العسكريون مجلس حكم انتقالي يمارس أعمال السيادة والقيادة الرمزية، وأوفى العسكريون بوعدهم، وسلموا الحكم الي من نال ثقة الشعب في الوقت المحدد.
وفي ثورة ديسمبر عندما توجه الثائرون تلقاء القيادة العامة للجيش يهتفون (شعب واحد جيش واحد) وطالبوا بسقوط حكومة البشير والمؤتمر الوطني، لم يخذل الجيش شعبه، بل كان عند الوعد تماما، واتخذت اللجنة الأمنية المكونة من قيادات الجيش والشرطة والأمن الوطني والدعم السريع، اتخذت قرارا بالإجماع بالانحياز إلي ثورة الشعب، وإنهاء حكم الإنقاذ الذي ثار الناس ضده، وكان هذا هو السر الأعظم في نجاح وسلمية ثورة ديسمبر المجيدة.
كان من الممكن والمفروض أن تسير الأمور بعد الإطاحة بحكومة الإنقاذ بأفضل مما سارت عليه بعد إسقاط حكومة مايو في السادس من أبريل عام 1985م، ذلك أن دور المؤسسة العسكرية في ثورة ديسمبر 2018م، كان أكبر من دورها في ثورة رجب أبريل عام 1985م، ولكن الفرق جاء في القوي السياسية والحزبية في الحالتين، فبينما كانت الأحزاب مجتمعة في عام 1985م، مؤمنة بالعودة إلي الشعب لأخذ التفويض، وظلت منذ يومها الأول ترتب في حالها، وتحشد قواها للإنتخابات العامة التي تحدد لها عام واحد فقط، فإن القوي الحزبية المؤثرة في حراك ثورة ديسمبر لم تكن الانتخابات واحدة من خياراتها للحكم، ولذلك سعت إلى اطالة أمد الفترة الإنتقالية، واعتمدت الشارع قوة أساسية للظفر بمقاعد الحكم، ولأن الجيش ظل منذ اللحظة الأولى داعما لاتجاه تسليم السلطة إلي من يختاره الشعب، وضعت هذه القوي الجيش في خانة العدو الأول، وظلت تحاصره بالاتهامات، وتعمل علي شيطنته، وتجريم قياداته، وتشويه صورهم، ذلك أنهم قد أيقنوا ألا سبيل لهم للحكم بغير تفويض شعبي في ظل مؤسسة عسكرية قوية متماسكة.
جمال عنقرة يكتب : السودان .. بين المدنية والعسكرية
