بروفيسور إبراهيم محمد آدم يكتب : نظام التفاهة

صدر عن دار سؤال للنشر في بيروت كتاب نظام التفاهة للدكتور ألان دوبو أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية وترجمة وتعليق الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري أستاذة القانون الخاص بكلية الحقوق بجامعة الكويت، و دوبو أكاديمي ناشط معروف بالتصدي للرأسمالية المتوحشة وحاربها على عدة جبهات، لا سيما فيما يتعلق بصناعة التعدين وقد كانت مساعيه هذه موجعة للأطراف التي حاربها، حتى أنه لوحق قضائياً من قبل بعض أقطاب صناعة التعدين عام 2008م وذلك بعد أن أصدر كتاباً في العام نفسه بعنوان (كندا السوداء النهب والإفساد والإجرام في إفريقيا)
تتمثل أُطروحة الكتاب في أن كل نشاط في الفضاء العام سياسة أو إعلام أو تجارة أو عمل نقابي صار أقرب إلى لعبة يلعبها الأطراف فيه، يعرفها الجميع رغم أن واحداً لا يتكلم عنها، ولا قواعد مكتوبة لهذه اللعبة، ولكنها تتمثل أو ترد أو تستشعر في انتماء إلى كيان كبير ما، تستبعد القيم فيه من الاعتبار فيختزل النشاط المتعلق به إلى مجرد حسابات مصالح متعلقة بالربح أو الخسارة الماديين كالمال والثروة أو المعنويين كالسمعة والشهرة والعلاقات الاجتماعية، وذلك إلى أن يصاب الجسد الاجتماعي بالفساد بصورة بنيوية فيفقد الناس تدريجياً اهتمامهم بالشأن العام وتقتصر همومهم على فردياتهم الصغيرة.
ورغم أنه عادةً ما يكون بين الأشخاص الطموحين أُناس ذوو معايير عالية تنشد النجاح الرفيع وآخرون ذوو أخرى متدنية يبحثون عن النجاح السهل فإن من يدير اللعبة هم الفئة الثانية عادةً لأن أفرادها أقرب إلى ما تتطلبه الطبيعة اليومية للحياة من التبسيط والقبول بالدونية لذلك غالباً ما ينحدر أصحاب المعايير العالية وينضمون إلى من بالسفح فالتسفل أيسر من الترفع كما يقول جمال الدين الأفغاني.
يتحدث الكاتب باستفاضة عن الأحوال المؤسفة للجامعات في زمننا هذا ويركز على ظاهرة طلب العلم لأغراض المظهر الاجتماعي لا طلباً للحكمة العالية وبما يذكر بظاهرة الهوس للحصول على الشهادات العلمية العالية من ماجستير ودكتوراة لأغراض الظهور الاجتماعي وحده. وفي السودان هناك كثيرون ممن يتسمون بألقاب لم يحصلوا عليها كأن يحمل لقب دكتور وهو يحمل شهادة في تخصص مساعد أو حامل ماجستير ويأخذ لقب الدكتوراة .
وفيما يلي التجارة والصناعة يشير الكتاب إلى المسئولية المباشرة للممارسات التجارية عن كثير من أوجه النشاط المجتمعي والأخلاقي التي آلت إليها حياتنا اليومية المعاصرة والتي أدت إلى تمكن نظام التفاهة من مفاصل هذه الحياة.
يولي المؤلف أهمية كبرى لموضوعات الثقافة ويلفت أنظارنا إلى كونها صارت أداة مهمة في توطيد أركان نظام التفاهة كما يحيط بنا اليوم .
أما الصحافة فيقول أن لها طبيعة اختزالية فهي تبخر ما يقع في يدها من أخبار ثم تكثفه، ثم تقتطع منه، ثم تصيغه وفق ما يلاءم مصالح ملاكها وتوجهاتهم السياسية أو الاقتصادية، ثم تبسطه بحيث تكون قراءة الموضوع مناسبة للسواد الأعظم من قراءها ثم تضع له عناوين عريضة تضخ فيها الكثير من الانفعالات ولعل الصحافة الرياضية أو الفنية أكثر وضوحاً في هذا فهي تصنع الأخبار لا تنقلها وتغش الأندية بلاعبين فاشلين تصرف عليهم الملايين ثم يتضح لاحقاً فشلهم .
أما التلفزيون فيناقش فيه المؤلف وصمتان كبيرتان الأولى تتعلق بمذيعيه والثانية بضيوفه، فعن مذيعي التلفزيون نلاحظ أن الحياة العامة في السابق كانت لا تقبل إلا من يحددون بدقة هندسية صارمة ما هو القالب الذي يودون أن يطرحوا أنفسهم من خلاله ( غناء ، تمثيل ، شعر ، رياضة ، سياسة) وهناك كثيرون صاروا اليوم أسماءً في حياتنا كما يقول الأستاذ عمر الجزلي، ومع الاكتفاء بمعيار الجمال وحده طبيعياً كان أم صناعياً فقد اختلف الأمر وصار يمكن لأي جميلة بلهاء أو وسيم فارع أن يفرضوا أنفسهم على المشاهدين من خلال عدة منصات عامة هي في أغلبها منصات هلامية غير منتجة، لذلك صرنا نرى المذيعات يتقافزن من فقرات الربط الى نشرات الأخبار إلى البرامج الحوارية دون أن يقمن بإجادة أيٍ من ذلك، وربما يكون السبب في هذا هو حاجة القناة التلفزيونية إلى مادة يومية كوقود لازم للاستمرار بغض النظر عن الجودة والتميز، وعلى الصعيد الشخصي ففي أحد برامجنا بعاصمة عربية جيئ إلينا بمذيعة من فضائية سودانية اضطررت لمساءلة الفريق ماذا كانت تعمل هذه في الخرطوم قبل أن تأتون بها إلينا، وحينها تحسرت على أيام ليلى المغربي ومحاسن سيف الدين ويسرية محمد الحسن، وفي برنامج محضور آخر هنا في الخرطوم تنبهت فأحضرت معي مذيعاً محترفاً لقناعتي أن مذيعتهم سوف تفسد علينا البرنامج.
أما عن ضيوف التلفزيون فقد كان صانعو الملوك في الماضي هم رجال الدين ورجال السياسة وحاشية البلاط أما الآن فاستديو التلفزيون هو الصانع الجديد للملوك حتى لو كان هذا الاستديو لا يعدو أن يكون غرفة صغيرة لا تضم سوى مقعدين ، آلة تصوير ، أوراق مليئة بما يشبه الأفكار، مذيعة بثياب مزركشة ، ومصور لا يجيد الوقوف خلف الكاميرا.
أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد نجحت في تميز التافهين بحسب الكِتاب مما يجعل من تافهي مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي وصناع الموضة يظهرون لنا بمظهر النجاح، ويسمون الواحد منهم اليوم بالمؤثر الاجتماعي، وهو أمر يسأل عن المجتمع نفسه الذي دأب على التقليص التدريجي لصور النجاح التي عرفتها البشرية ككل وهي العمل الجاد وحب الخير للناس والمواطنة الصالحة وحسن الخلق والمعرفة العلمية المتأصلة والأدب وغيرها.
وعن الفن بكل ضروبه وخاصة الغنائي فإن ما نراه اليوم ليس فناً جيداً والخلاف القائم حوله هو أن الناس صاروا ينظرون للفن الساقط ويضربون به المثل على الانحدار القيمي.
وأخيراً نأتي للسياسة فإن العمل السياسي بما ينطوي عليه من سلطة وخطاب وجماهير المساحة الخصبة لازدهار نظام التفاهة وتمثل الديمقراطية بما تنطوي عليه من مراكمة كل هذه العناصر بالضرورة المجال الأخطر لذلك وتليها الأحزاب السياسية التي أصبحت مجالاً للناشطين السياسيين القادمين من مجالات لا علاقة لها بالسياسة بالمفهوم العملي ليتسيد هؤلاء المشهد وهم لا يفقهون حتى تعريف الدولة أو أركانها وفي كثير من الأحيان عندما يتحدث أحدهم وأنت أعلم منه في مجالك تشعر بالغثيان لأنهم أحياناً يكذبون على الملأ كذباً فطيراً يتجاوز حتى أبجديات الكذب وهذا هو المثال الأسوأ للتفاهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى