بروفيسور إبراهيم محمد آدم يكتب.. أيها الرغيف صليت لك في الجامع البعيد

عزيزي القارئ: عزيزتي القارئة: هذا المجال لا يستحق القراءة ولكنه زمان الفقر والقفر وشح المفردات كما يقول أستاذنا حسين خوجلي متعه الله بالصحة والعافية ،ولكن إن استمريتم في القراءة أقول لكم أن عمنا دفع الله وقد كان أحد ظرفاء حلتنا، معروفاً أيام طفولتنا بعدم تردده كثيراً على المساجد، وذات مرة كان له غرض مع والدي فجاء للبيت عدة مرات ولم يجده فذهب وصلى في المسجد حتى يلحق بالوالد ولكن لعسر حظه لم يصلي الوالد في ذلك المسجد لسبب ما وعاد للبيت قبل العم دفع الله فلحقه الأخير في المنزل وقال له يا محمد صليت لك في الجامع وما لقيتك..
هذه الرمية سببها أن الرغيف قد عز علينا جداً فأصبح من شواغلنا اليومية وأنه لأمر مخزٍ ومخجل حد احمرار الوجوه أنه في الوقت الذي يخطط فيه سكان الدول الأخرى لكيفية حضور كأس العالم في قطر أو حتى زيارة محطة مير الفضائية الروسية نحن نقضي سحابة يومنا وجل ليلنا بحثاً عن رغيف خبز حاف مدعوماً أو غير مدعوم كأننا نردد رائعة محمود درويش أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، فأحياناً بل في بعض الأحيان يخرج أحدنا أثناء ساعات العمل الرسمية بحثاً عن مخبز به خبز وصار من المعتاد أن تزور موظفاً وإن كان من المحظوظين فهناك كيس خبز إلى جواره ينظر إليه بين فينة وأخرى مرتاحاً بدلاً عن التدقيق في الملفات، وفي الماضي كان الخروج أثناء ساعات العمل هو البحث عن مكان فطور جيد أو قهوة كاربة، رغم انني لست من أنصار الإفطار في المكاتب وأفضل أن يخرج الفرد من بيته مفطراً إن لم يكن صائماً تطوعاً، فلعل في هذا توفير كثير من الوقت الذي هو لإنجاز الأعمال.
ورغم أن رغيف الخبز كان أحد أسباب الخروج على نظام الإنقاذ إلا إن الأزمة لا تزال مستمرة طوال عهد حكومتي حمدوك السابقتين، وذات مرة سأل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وزير تجارته مدني عباس مدني عن متى تنتهي الحرب يا بيار.؟ أقصد متى تنتهي الصفوف يا مدني.. فقال. خلال أسبوعين، وقد علق بعض الظرفاء أن الوزير ربما يعني انه سيحضر كراسي حتى يردد أغنية ما عايزين نشوف الغبش واقفين صفوف،و مرة أخرى اشتدت أزمة الدقيق فتم حلها بطريقة البصيرة أم حمد كانت لا تزال طوال تلك المدة مستمرة حتى بعد خروج مدني من الوزارة فأصبح الأمر من بعد عسر عسراً، فقد أصبحت المخابز تعمل وفق أمزجة أصحابها وفي أي وقت تختار فهذا يعمل فجراً وذاك منتصف النهار وثالث يعمل عقب صلاة المغرب وعليك أن تتقصى الأخبار لتلحق بأحدها لتعود ببضع رغيفات لا يقمن صلبك يستوي في ذلك الخبز المدعوم والتجاري وان كان المدعوم أفضل قليلاً فرغيف الخبز التجاري هو عبارة عن بالونة اختبار لصبر المواطن مطلية بدقيق القمح ومحشوة بالهواء، ذلك لان أي شيء تجاري في السودان يعني فوضوي فأي تاجر يمكنه أن يشتري السلعة بجنيهاً واحداً ويبيعها بمائة جنيهاً إذ لا وجود لمسمى هامش الربح بل أرباحاً مبالغ فيها ولا توجد ديباجات أسعار في كثير من السلع الضرورية رغم أنها في باقي دول العالم تلحق حتى بشرائح البطيخ .
ولان لدينا مسجد قريب نصلي فيه نجد أنفسنا في آخر صف الخبز ، وتأسياً بفكرة العم دفع الله قررت الصلاة في المسجد البعيد القريب للمخبز ، هذا المسجد رغم بعده إلا إن الذي يشدنا إليه أحياناً هو أن الأئمة هناك محترفون أجانب من غرب أفريقيا تلاوتهم مجودة وباعثة على الخشوع والتدبر، تجعلنا نخرج بشيء مفيد هو الإستماع بخشوع ، صليت هناك وفي أحد جيوبي نقوداً وبالآخر كيساً أتحسسه مثل كيس صاحبنا الموظف ذاك ،قلت من الخير لي أن أؤدي الباقيات الصالحات سيراً على الأقدام لعلي أكون في مقدمة صفوف المصطفين ولكن للغرابة وجدت أمامي كثيرون يحثون الخطي نحو المخبز بعد أن خرجوا من ذات المسجد ولكن من الباب الآخر ، قلت في سري في المرة القادمة سأصلي بجوار ذلك الباب لأتحرك وأكون أول الواصلين، صف الخبز هذا يشبه حال فراش حاج ود عجبنا في رائعة محمد الحسن سالم حميد عم عبد الرحيم حيث تجد الكل متذمرا فهذا يتحدث عن أزمة الطرق التي لم تصان من قبل أكثر من عامين وتسببها في هلاك إطارات السيارات، وآخر يتحدث عن الماهية التي أصبحت مثل حلاوة قطن ، وهذا يقول أنه كان يملأ سيارته بالوقود بمبلغ 280 جنيهاً والآن يملاها بحوالي الثمانية وأربعون ألفاً، وآخر يتحدث عن الإزدحام المروري الذي أحدثته حفر الطرق مما يجعل مشوار العشر دقائق ساعتين أحياناً. أيها السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس مجلس الوزراء والسادة ولاة الأمر بمختلف درجاتكم، قفوا فإنكم أمامنا وأمام الله مسئولون ( عليكم الله دي حالة دي ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى