مهدي مبارك يكتب : علي هامش مؤتمر التامين التامين التكافلي لماذا؟ (2-2)

الخرطوم الحاكم نيوز
تناولنا في الجزء الاول من هذا الموضوع مصطلح التامين علي الحياة والفرق في المعني بينه وبين التكافل وكيف ان السودان كان اول دولة في العالم تطلق كلمة تكافل علي التامين علي الحياة وكيف ان التامين التكافلي انتشر في معظم بقاع المعمورة بفضل ثلة من فقهاء وخبراء هذا البلد الخلص في الشريعة والقانون والاقتصاد والذين افنوا زهرة شبابهم في النهضة التي شهدها قطاع التامين في السودان خلال السنوات الاخيرة .
وعود علي بدء نقول كما في الكثير من المجالات الاخري ، كان السودان كعادته سباقا في انشاء اول شركة تامين اسلامية او تكافلية في العالم في العام 1979م وهي شركة التامين الاسلامية التي انشاها بنك فيصل الاسلامي ومنعا لخلط الامور فان شركة التامين الاسلامية انشات قبل قوانين الاسلمة التي اعلنها الرئيس الراحل جعفر نميري رحمه الله في العام 1983م وقبل حكم الانقاذ بطبيعة الحال وان انشاء تلك الشركة لم يرتبط باي نظام او ايدولجيا كما يدعي البعض حاليا وانما جاءت نتاج رغبة بنك فيصل (الاسلامي) في التامين لدي شركة تامين (اسلامية) وعندما لم يجد تلك الشركة قام بانشاء شركته الخاصة قبل ان يتم تحويل الشركات العاملة في السوق السوداني الي النظام الاسلامي في اوائل التسعينات حيث يتميز بانه السوق الوحيد في العالم الذي يعمل بكامله وفق النظام التكافلي.
وقد استطاعت صناعة التأمين التكافلي بسبب نجاحاتها المتواصلة ان تقتحم بشكل تدريجي وهادئ، الآسواق المحلية والعالمية، حتى بلغ الآمر أن قامت شركات إعادة التامين العملاقة العالمية في إنشاء فروع متخصصة في التأمين وإعادة التأمين الإسلامي بماليزيا و دول الخليج وبعض الدول الاوروبية وافريقيا بطبيعة الحال بحكم جوارها الجغرافي وللعدد الهائل للمسلمين في معظم بلدانها ، وللمفارقة فان شركة ميونخ ري وهي اكبر شركة اعادة تامين في العالم انشات نافذة للتامين التكافلي وذلك بعد الانتشار الكبير لهذه الصناعة عالميا ، والمفارقة هنا ان انشاء هذه النافذة تم بمشاركة عددا كبيرا من خبراء التامين والفقهاء السودانيين ممن كانوا متواجدين داخل قاعة موتمر الجهاز القومي للرقابة علي التامين وبعضهم ممن يتبني حاليا العودة الي النظام التجاري حيث تمت دعوتهم الي مائدة مستديرة من قبل الشركة في ميونخ بالمانيا لوضع الاسس العملية لهذه النافذة وهو ما قد تم بالفعل .
ويعد سوق التأمين التكافلي الإسلامي حاليا أحد أكثر الآسواق المالية ازدهارا، حيث وصلت قيمته في نهاية عام 2017 إلى 19 بليون دولار على مستوى العالم، ومن المتوقع أن يتجاوز الـ 40 بليون دولار بحلول عام 2023 بمعدل نمو سنوي يبلغ 13 ٪ خلال الفترة من 2017 -2023 وقد استمرت ثقافة التأمين التكافلي في الانتشار بوتيرة سريعة الى أن بلغ عدد الشركات العاملة بهذا النظام 305 شركة بما فيها 25 شركة لإعادة التأمين التكافلي بنهاية العام 2018م
مما ذكر اعلاه يتضح لنا ان نظام التامين التكافلي الاسلامي تحول وفي فترة وجيزة من منتج محلي الي ارث عالمي (Global Legacy) واحد رموز الحضارة السودانية مثله مثل اثار النقعة والمصورات واهرامات البجراوية والتي يتوجب علينا المحافظة عليه ومن هنا ادعو الجهاز القومي للرقابة علي التامين الي تسجيل هذا النظام باسم السودان لدي المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (الاليسيكو) قبل ان يتم السطو عليه من دولة اخري كما ان تسجيلة يوفر له الدعم الفني والمادي من المنظمة العالمية لتطويره من خلال تشجيع البحوث والدراسات والعمل علي انتشاره بصورة اوسع علي كافة اصقاع المعمورة .
وبعد كل هذا هذا النجاح وهذا السبق للسودان فهل يمكن لاي جهة وبجرة قلم ان تلغي هذا النظام لتعود بنا الي قانون العام 1960م وهو قانون وضع اصلا لتنظيم عمل وكالات التامين الاجنبية التي كانت تعمل في السودان في ذلك الوقت ، حري بنا القول انه قد فات علي فطنة الداعين للعودة الي النظام التجاري النظر الي الكثير من المتغيرات الذي حدثت في المجتمع السوداني ، ففي حين كان الحرج الشرعي يمثل احد اهم الاسباب في عزوف عامة الناس عن التامين وتطور صناعته في البلاد فان التامين التكافلي جاء ليزيل هذا الحرج بغض النظر عن موضوع الفائض التاميني الذي سياتي الحديث عنه لاحقا.
ازاء هذه الدعوات يحمد للجهاز القومي للرقابة علي التامين الدعوة لعقد مؤتمر صناعة التامين في السودان (الواقع والمستقبل) والذي مثل ساحة مفتوحة لتبادل الاراء والافكار وتبيان لعوار تلك الدعوات الرامية للنكوص عن النظام التكافلي والعودة الي الي النظام التجاري ، وبالنظر الي النقاشات التي شهدها المؤتمر علي مدار يومين والي التوصيات التي خرج بها فقد تبين بما لا يدع مجالا للشك ان العودة الي الوراء تبدو غير ممكنة ان لم تكن مستحيلة ، فقد اكدت التوصية رقم (6) علي (المحافظة علي تجربة التامين التكافلي الاسلامي لنجاحها في السودان واستفادة الكثير من الدول من هذه التجربة واعتبار السودان رائدا فيها) وهذا مما يعد اعترافا من كافة المؤتمرين بمختلف مشاربهم علي اهمية التجربة بوضعها الراهن واستبعاد الراي القائل بفتح نوافذ للتامين التجاري بالشركات القائمة حاليا وهو امر ثبت عدم معقوليته لسببين اولهما عدم جواز خلط مال التامين التكافلي مع التامين التجاري والسبب الثاني هو ان قيام بعض الشركات بفتح نوافذ تجارية قد يكون سببا في انسحاب الكثير من المستامنين منها والتحول الي الشركات التي تعمل بالنظام التكافلي مما سيكون له اثرا سالبا علي عمل تلك الشركات ، اما التوصية رقم (11) والتي اقرت السماح بانشاء شركات تامين تجارية فاحسب انها جاءت لذر الرماد في العيون واعتقد جازما انه لن يجرؤ احد علي انشاء شركة تامين تجارية في السودان وان حدث ذلك فان نسبة نجاحها ستكون صفرية في افضل الاحوال فمن ناحية فهي لن تكون قادرة علي استقطاب المستامين بسبب الحرج الشرعي في المقام الاول وانعدام الفائض التاميني في المقام الثاني وهذان السببان يمثلان الركيزة الاساسية للتسويق في شركات التامين التكافلية .
والعلة هنا هي أن عقد التأمين بصفة عامة يشتمل على الغرر المتمثل في احتمالية وقوع الحادث المؤمن منه أو عدم وقوعه، ويشتمل أيضاً على الجهالة المتمثلة بمقدار التعويض المستحق في حالة وقوعه . ومن المقرر شرعاً أن عقود المعاوضات المالية لا تصح مع الغرر والجهالة، في حين أنهما لا يؤثران في عقود التبرعات، لذلك كان عقد التأمين التجاري محرماً، وعقد التأمين التعاوني مشروعاً .
وإعمالاً لمبدأ التكافل الاجتماعي فقد أنشأت شركات التأمين الإسلامي على أساس التعاون بين المشتركين بحيث يتم ترميم آثار جميع المخاطر المؤمنة من مجموع الاشتراكات التي يدفعونها، وإذا زاد شيء منها فيعاد إليهم بوصفه فائض تأميني وهنا تبرز اهمية التامين التكافلي حيث يعتبر الفائض التأميني من الفروق الجوهرية التي يتميز بها التأمين الإسلامي الذي أُنشأت على أساسه شركات التأمين الإسلامية عن التأمين التجاري الذي تعمل بمقتضاه شركات التأمين التقليدية لأن الفائض التأميني يعاد في التأمين الإسلامي للمشتركين على أساس أنه زيادة من الأقساط التي أُخذت منهم مع نَمائها المشروع بعد تغطية كافة المطالبات على أساس الالتزام بالتبرع بينهم لأنه من عقود التبرعات .
أما في التأمين التجاري فإن تلك الزيادة المتحصلة من الفرق بين التعويضات والأقساط تعتبر ربحاً خاصاً بالمساهمين لأن التأمين التجاري عقد معاوضة مالية يستهدف الربح من التأمين نفسه وبناء عليه فتطبق على التأمين التجاري أحكام المعاوضات المالية أما التأمين الإسلامي فإنه يعمل بموجب عقد التأمين التعاوني فتنطبق عليه أحكام التبرعات.
ويعتبر الفائض التأميني من الركائز الأساسية والسمات البارزة في شركات التأمين الإسلامية التي اتخذت من التأمين التعاوني القائم على التبرع بين حملة الوثائق محوراً لعملها . وباختصار شديد فان فوائض العملية التامينة في النظام الاسلامي توزع علي المؤمن لهم او حملة الوثائق وهم الملاك الحقيقون للشركة بينما الارباح في النظام التقليدي تعود لحملة الاسهم
وهنا يبرز السؤال التالي، ايهما اكثر فائدة لجمهور المستامنين النظام التكافلي ام التجاري ، الاجابة ببساطة ووفقا لما ذكر اعلاه هو النظام التكافلي فكيف نفكر مجرد تفكير في هدم فكرة نحن اصحابها و العودة الي الوراء لاعادة نظام التامين التجاري الذي يستحل اموال البسطاء لتمتلئ بها خزائن الاغنياء ويكون المال دولة بينهم وحدهم دون سواهم في مفارقة عجيبة تفتقر الي روح التغيير الي الافضل وتحقيق العدالة المنشودة.
مدير التسويق
شركة شيكان للتامين

اضغط هنا للإنضمام لقروب الواتسب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي
إغلاق
إغلاق