بُعْدٌ .. و .. مسَافَة _ مصطفى أبوالعزائم _ فيضانٌ يُغْرِق ما على الشاطئ

والله إنها لكارثة كبيرة ، فيضانٌ غير مسبوق تعدّى أعلى معدّل زيادة في المناسيب منذ أن بدأ رصد المنسوب في العام 1902 م ، وتعدّى ما حسبناه أعلى مستوىً بلغه إرتفاع المياه داخل النهر العظيم في العام 1988 ، وهي ذكرى لن تمحوها الأيام ولا الليالي لكل من عاشها ، ذكرى أليمة أبكت العيون وهزّت الأفئدة ، وكانت مأساة حقيقية ، كان أعظم مُنْتَجٍ إنساني لها ، هو إحياء قيمة النفير ، وإطلاق مبادرة *نداء السودان* التي من عظمتها لا يعرف أحد من هو الذي أطلقها ، وقد تدافع الناس من كل حدب وصوب لإغاثة أشقائهم الذين تضرّروا ، تدافعوا بالمال والمعينات الأخرى ، من خيام ومواد غذائية وجوالات الخيش التي تستخدم في سد منافذ المياه المندفعة والمتدفقة ، وتفاعل كل العالم معنا آنذاك وظهرت أغنية تداولها الناس وحفظها حتى الأطفال رغم أنها باللغة الإنجليزية ، كان إسمها (نحن العالم) أو (We are the world) وتنافس المتنافسون في كل السودان وأبهر السودانيون العالم بتماسكهم ووحدتهم .
الآن يتكرر الحدث ولكن بشكل أكبر ، وارتفاع غير مسبوق في منسوب مياه النيل ، وخزائن الدولة شبه فارغة ، وجيوب الناس أكثر فراغا وأشد ، لكنهم مع ذلك تنادوا لفعل الخير ، وتسابق الأشقاء في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والعراق بتسيير رحلات طيران غير منقطعة تحمل العون لأشقائهم من المتضررين الذين محت المياه الفائضة بيوتهم تماماً ، وللأسر التي تشردت ، وتدخلت دولة قطر أيضا لتدخل في قائمة المتبرعين لجبر الضرر ، وقامت سلطنة عمان بإطلاق مبادرة عظيمة لدعم السودان في محنته .
مجتمعنا المحلي لم يقف مكتوف الأيدي ، وتنادى الناس ليقدموا العون للمتضررين عن طريق منظمات المجتمع المدني وعن طريق القوات النظامية من جيش وشرطة وأمن ودعم سريع ، مسخّرين آلياتهم ومعداتهم لنجدة الملهوف ، وتبارت أجهزة الإعلام المرئي والإلكتروني في متابعة تفاصيل تطورات الأوضاع ، وانطلقت من المساجد نداءات الإنسانية ، وقد شاهدت هذا الأمر وتابعت من خلال النداءات التي انطلقت من مساجد الحي الذي أقيم فيه ، إذ أطلق إمام مسجد الحارة 12 بالثورة مبادرة لجمع التبرعات المالية والعينية والمواد الغذائية والملابس الجديدة والمستعملة والناموسيات للمتضررين الذين أصبحوا بلا مأوى ولا كساء ، وباشرت لجنة المسجد القيام بهذا العمل على أكمل وجه ، بل أن أمام المسجد الشيخ الصادق قسم الكريم دعا السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف إلى تبني الفكرة وطرحها كمبادرة لمساجد السودان كافة ، ودعا العاملين في مكتب الدعوة بمحلية كرري وعلى رأسهم مدير مكتب الدعوة الأستاذ طارق لتبني المبادرة حتى تكتسب بعداً آخر .
نحن على ثقة بأننا وعلى الرغم من شح الإمكانيات وضعف الموارد ، سنجتاز هذا الامتحان الصعب بإذن الله تعالى ، ثفةً في هذا الشعب العظيم ، لكن الأمر يحتاج إلى تنظيم وإدارة ومكتب تنسيق يتولى الإشراف على الاعانات وتوزيعها من خلال تنسيق عمل هذه المنظمات والجماعات والأفراد لأننا نعلم تماماً بطء دورة العمل الحكومي ، وأمامنا الآن أن نوظف طاقات شبابنا للمرحلة القادمة وهي مرحلة البناء ، فهولاء الشباب الذين ثاروا ضد الأوضاع القديمة نرى أنهم يتطلعون لوضع جديد وأنهم يحلمون بعهد جديد يطبقون فيه شعارات ثورتهم قبل أن تتبخر في الهواء بفعل صراعات السّاسة وتصفية الحسابات السياسية والحزبية التي أوشكت أن تورد بلادنا موارد التهلكة .

اضغط هنا للإنضمام لقروب الواتسب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي
إغلاق
إغلاق