العلاقات الإثيوبية العربية (الإثيوبية السعودية نموذجا)

بقلم عبد الشكور عبد الصمده
أديس أبابا – إثيوبيا

العمق التاريخي لعلاقات المنطقة
حيث تتمتع علاقات الحبشة (إثيوبيا بالمنطقة العربية) بتداخل وتشابك عجيب، فهناك هجرات متبادلة، وتداخل لغوي، وتبادل تجاري ثقافي اجتماعي ديني متجذر، ومهما حصل فتور أو هزات من فترة لأخرى، إلا أنها عصية على القطع والهجر والتباعد. وحتى تكون الصورة واضحة للقارئ فإني أستعرض العلاقات الإثيوبية السعودية في هذه المقالة، ولعلي أعود لنماذج أخرى في مقالات تالية.
بداية العلاقات الإثيوبية السعودية:
تعود العلاقات الإثيوبية السعودية في العصر الحديث إلى أربعينات القرن العشرين حيث تم تبادل التمثيل الدبلوماسي بين السعودية وإمبراطورية إثيوبيا عام (1949)م. وأتمنى التركيز على هذا التاريخ، فهو يشير إلى قدم العلاقة بين البلدين، والتي سبقت قيام واستقلال العديد من دول المنطقة.
شهدت العلاقة بين الطرفين احتراما متبادلا واستقرارا وتواصلا ، وساهمت الدولتان في تأسيس الأمم المتحدة، ومنظمة دول عدم الانحياز، وظلتا تتعاونان في المحافل الدولية، وفي الوكالات المتخصصة ونصرة القضايا العادلة.
تطورت علاقة البلدين بعد سقوط نظام منغستو (1991)م الماركسي في إثيوبيا، وشهدت قفزة نوعية في ظل حكم الجبهة الثورية لشعوب إثيوبيا، ، وزادت وتيرة التعاون بين البلدين بعد زيارة رئيس الوزراء الأسبق (ملس زيناوي) في 2001م للمملكة، وتوالى تبادل الزيارات الوفود الرسمية بين البلدين. وفي أغسطس 2002م وقع البلدان الاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري والفني والثقافي وغيره، مما فتح آفاقا رحبة للتعاون بين البلدين، وظل ذلك يزداد يوما بعد يوم.
كانت السعودية من أوائل الدول التي رحبت ودعمت الاصلاحات الجارية في إثيوبيا بقيادة رئيس الوزراء أبي أحمد، وقدمت المساندة الأدبية والمادية، وعملت على تعزيز السلام في القرن الإفريقي عبر الدعم الكامل لخطوات رئيس الوزراء أبي أحمد لتحقيق السلام بين كل من أثيوبيا وإريتريا ، والصومال وإريتريا وصولا لتحقيق التكامل الاقتصادي والتنموي في القرن الأفريقي.
الجالية الإثيوبية في السعودية محل عناية قيادة البلدين
يقيم في السعودية جالية إثيوبية كبيرة منذ عقود، بصورة نظامية ، إن كان للعمل أو التعليم. كما توجد مجموعات من المخالفين لنظام الإقامة لظروف مختلفة، وفئة ثالثة دخلت المملكة بصورة غير شرعية ، ،عبر اليمن بطرق الهجرة الغير شرعية مما يعرضهم في النهاية للمساءلة القانونية أو الغرامات المالية.
ومثلها مثل كل دول العالم فإن للمملكة سياسات ونظم وقوانين خاصة تنظم وجود الجاليات الموجودة على أرضها، وبين الفينة والأخرى تعمل على إصلاح وتعديل أي خلل يظهر في وجود هذه الجاليات بما يحقق مصالح الدولة ويحمي حقوقها ويراعي سيادتها، وهذا التصحيح للأوضاع تقوم به كل الدول، وهو ما شهدناه حتى في أمريكا مؤخرا.
ودأبت الحكومة الاثيوبية منذ وصول أبي أحمد إلى السلطة في 2018 م على الإهتمام بالمواطنين الإثيوبيين في الشتات، وخاصة في الخليج، حيث سعت الحكومة الإثيوبية لإطلاق سراح عدد كبير من المخالفين لنظام الاقامة وللمسجونين على ذمة قضايا عامة.
واستجابة لمساعي حكومة أبي أحمد أطلقت السعودية أعدادا كبيرة من المواطنين الاثيوبين في مراحل مختلفة، ، حيث تم اطلاق سراح نحو (3000) سجين في قضايا مختلفة، كما أعفت المخالفين لنظام الإقامة من المساءلة القنونية والغرامات المالية، ويسرت لهم سبل المغادرة، على أن يسمح لمن استفاد من الاعفاء العودة إلى السعودية عبر الوسائل القانونية المتاحة. وهذا يعكس توافق قيادات البلدين على إدارة العلاقة بطريقة تحفظ مصالح مواطني البلدين، وفي هذا الإطار تذكر المصادر المطلعة بأن هناك عددا يصل لنحو (10,000) شخص ينتظرون دورهم للعودة للبلد وفق إجراءات متفق عليها بين البلدين، بما يحافظ على صحتهم، ولا يضغط على المؤسسات الصحية ومراكز الحجر الصحي المعد للعائدين في إثيوبيا، وهو أمر محل تقدير واحترام.
وفي الختام نقول: إن العلاقات الإثيوبية العربية، (وفي مقدمتها العلاقات الإثيوبية السعودية كنموذج) بقدمها ورسوخها، ومتانتها والمصالح التي تربط بين شعوب المنطقة عصية على ألاعيب الهواة ووشاية المتربصين، لأنها مبنية أسس متينة وراسخة، وعلى النخب والسياسيين في المنطقة السعي والعمل المستمر للارتقاء بهذه العلاقة لصالح الشعوب وما يخدمها. وأنا أتساءل هنا كإنسان قبل أن أكون إثيوبيا، هل يحق لنا المتاجرة بالأزمات والكوارث وتجيرها لتصفية حساباتنا، فكيف ننتظر أن ينكشف عنا الهم والغم، ويزول هذا الوباء ونحن نتاجر به.

Exit mobile version