أخر الأخبار

دكتور أسامة العمري يكتب: الحظيرة التي تسكن الإنسان (10)

 

 

الجزء العاشر والأخير:

 

من حراسة الحظيرة إلى رعاية الحياة

 

لا تكتمل حرية الإنسان حين يكسر أسوار الحظيرة فحسب، بل حين يتحرر من الحاجة إلى بناء حظيرة جديدة يسجن فيها الآخرين.

 

بعد هذه الرحلة بين الحاجة والمصلحة، والتزاحم على المقاعد، وتبرير الأخطاء، وجحود العطاء، واستنزاف الطبيعة، والتمرد على القوانين، وسؤال الخير والشر في الإنسان، نصل إلى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:

 

ماذا بعد أن نكتشف الحظيرة التي تسكننا؟

 

هل نكتفي بإدانة من صنعوها؟ أم ننتظر أن تتغير الظروف حتى نتحرك؟ أم نبدأ بمراجعة أنفسنا، ونكتشف كيف نشارك، بوعي أو دون وعي، في إعادة إنتاج السلوك الذي نشكو منه؟

 

ربما تكون البداية الحقيقية حين يدرك الإنسان أن المشكلة ليست دائما في الأسوار المحيطة به، بل أحيانا في الأفكار التي يحملها، والمخاوف التي تحركه، والمصالح التي يدافع عنها، حتى عندما تتعارض مع كرامته وكرامة الآخرين.

 

فالتحرر لا يعني أن نعيش بلا قواعد، بل أن نشارك في بناء قواعد عادلة. ولا يعني أن نرفض المؤسسات، بل أن نجعلها في خدمة الإنسان. ولا يعني أن نتخلى عن مصالحنا، بل أن نفهم أن مصالح الفرد لا يمكن أن تستقر طويلا في مجتمع ينهار فيه العدل، وتضيع فيه الثقة، ويصبح فيه الإنسان تهديدا لأخيه الإنسان.

 

إن الانتقال من حراسة الحظيرة إلى رعاية الحياة يتطلب تحولا أعمق من تغيير المواقع والأسماء؛ إنه انتقال من عقلية الامتلاك إلى ثقافة المسؤولية، ومن التنافس على الامتيازات إلى التعاون على الفرص، ومن تقديس الأشخاص إلى احترام المبادئ، ومن الخوف من الاختلاف إلى القدرة على إدارته بمحبة وعدل.

 

وفي هذا التحول، لا يعود النجاح أن نكون فوق الآخرين، بل أن نرتقي جميعا. ولا يعود الأمان أن نمتلك القوة التي تحمينا من الناس، بل أن نعيش في مجتمع تحمي مؤسساته حقوق الجميع. ولا يعود العطاء وسيلة لشراء الولاء، بل تعبيرا عن إنسانية لا تنتظر مقابلا دائما، ولا تسمح في الوقت نفسه باستغلالها.

 

إن أعظم انتصار للإنسان ليس أن يصبح حارس الحظيرة بعد أن كان أسيرا فيها، بل أن يمتلك الوعي والشجاعة لبناء عالم لا يحتاج فيه الناس إلى أسر بعضهم كي يشعروا بالأمان.

 

ولعلنا هنا نكتشف أن القضية لم تكن يوما مجرد حظيرة لها أسوار وأبواب، بل نمط من التفكير والعلاقات والمصالح يمكن أن ينتقل من جيل إلى جيل، ما لم نمتلك الشجاعة لمراجعته.

 

فالحظيرة قد تتغير أسماؤها وأشكالها، وقد ترتدي ثياب الحضارة والتقدم، لكن السؤال يظل قائما: هل تخدم الحياة، أم تجعل الحياة في خدمتها؟

 

والإجابة لا يصنعها الكلام وحده، بل ما نختاره في بيوتنا، وعلاقاتنا، ومؤسساتنا، ومجتمعاتنا؛ وكيف نتعامل مع الضعيف حين نمتلك القوة، ومع المختلف حين نملك القرار، ومع صاحب الفضل حين تزول حاجتنا إليه.

 

وفي النهاية، ربما لا نستطيع تغيير العالم كله دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نبدأ بتغيير المساحة التي نملك مسؤوليتها، وأن نرفض أن نكون امتدادا للظلم الذي عانينا منه، وأن نمنح أبناءنا وعيا يساعدهم على التمييز بين ما ورثوه وما يستحق أن يستمر.

 

فالإنسان ليس مجرد نتاج للحظيرة التي ولد فيها؛ إنه أيضا القدرة على مراجعتها، وإعادة تشكيلها، وفتح أبوابها نحو حياة أكثر عدلا وحرية ورحمة.

 

وهنا تنتهي حلقاتنا العشر، لكن الرحلة لا تنتهي.

 

لأن الغاية لم تكن إدانة الإنسان، ولا اليأس من طبيعته، ولا الهروب من المجتمع؛ بل فهم ما يشكل سلوكه، واستعادة قدرته على الاختيار، وبناء علاقة جديدة مع الحياة، تقوم على الوعي والثقة والعدل والمسؤولية.

 

من حراسة الحظيرة إلى رعاية الحياة… من أسر المصالح إلى رحابة الإنسانية… ومن صراع الإنسان مع الإنسان إلى شراكة تحفظ كرامة الجميع.

 

فربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا بعد هذه الرحلة ليس: من الذي صنع الحظيرة؟

 

بل:

 

ماذا سنفعل نحن، بعد أن أدركنا أنها تسكننا؟

 

وما أجمل أن تكون بداية الإجابة هي أن نرى الإنسان أولا، وأن نعامل الحياة بوصفها أمانة، وأن نفتح أبوابنا للآخرين بحب وصدق، دون أن نتخلى عن الوعي أو العدالة أو المسؤولية.

 

فالغاية ليست أن ينتصر إنسان على إنسان، بل أن تنتصر الإنسانية فينا جميعا والعالم ينتصر فيه الإنسان علي كل ما ينتقص من انسانيته.

 

د اسامة الفاتح العمري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى