دكتور أسامة العمري يكتب: الحظيرة التي تسكن الإنسان (9)

 

 

الجزء التاسع:

 

هل الإنسان شرير بطبيعته؟ — بين ما يولد به الإنسان وما تصنعه فيه الحياة

 

ليس أخطر ما في الإنسان قدرته على فعل الشر، بل قدرته على إيجاد المبررات التي تجعله يعتقد أنه يفعل الصواب.

 

منذ فجر التاريخ، ظل الإنسان يبحث عن إجابة لسؤال جوهري: هل يولد الإنسان خيرا أم شريرا؟ أم أنه يحمل استعدادات متعددة، ثم تتشكل سلوكياته من خلال البيئة والتربية والحاجات والتجارب والاختيارات؟

 

ربما لا تكمن الإجابة في تصنيف الإنسان إلى خير وشر، بقدر ما تكمن في فهم الظروف التي تدفعه إلى إظهار أحد جانبيه دون الآخر.

 

فالإنسان يحتاج إلى الأمان، والانتماء، والتقدير، والقدرة على تحقيق ذاته. وحين يجد بيئة تحترم كرامته، وتمنحه فرصا عادلة، وتعلمه المسؤولية، قد تتسع قدرته على التعاون والعطاء. أما حين يعيش في بيئة تكافئ الخداع، وتمنح الامتياز للأقوى، وتجعل الخوف وسيلة للبقاء، فقد يتعلم أن الأنانية ضرورة، وأن التنازل عن المبادئ ثمن لا بد من دفعه.

 

لكن البيئة ليست عذرا مطلقا لكل سلوك، كما أن الظروف الصعبة لا تحول كل إنسان إلى ظالم. فهناك من تدفعه المعاناة إلى القسوة، وهناك من تجعله أكثر رحمة بالآخرين. وهنا تظهر قيمة الوعي والاختيار والمسؤولية.

 

إن الحظيرة لا تصنع الإنسان من العدم، لكنها قد تعيد تشكيل أولوياته، وتعلمه ما الذي يكافأ عليه، وما الذي يعاقب بسببه، ومن الذي ينبغي أن يخشاه، ومن الذي يستطيع استغلاله دون أن يدفع الثمن.

 

ومع تكرار التجربة، قد يتحول السلوك الذي بدأ استجابة للضرورة إلى عادة، ثم إلى قناعة، حتى ينسى الإنسان أنه كان قادرا على الاختيار.

 

وهكذا قد يصبح الظلم في نظر صاحبه وسيلة مشروعة لحماية النفس، ويصبح الاستغلال ذكاء، والانتهازية فهما للواقع، والوفاء سذاجة، والرحمة ضعفا.

 

وهنا تبلغ الحظيرة أخطر مراحلها: حين لا تحتاج إلى إجبار الإنسان على فعل ما تريد، لأنه أصبح يدافع عن سلوكها باعتباره طبيعة الحياة نفسها.

 

ومع ذلك، فإن الإنسان ليس أسيرا أبديا لما تعلمه، ولا محكوما إلى الأبد بما ورثه. يستطيع أن يراجع أفكاره، ويعيد بناء علاقته بالآخرين، ويتعلم أن القوة لا تعني السيطرة، وأن النجاح لا يتطلب إهانة الآخرين، وأن الكرامة لا تكتمل على حساب كرامتهم.

 

فالإنسان لا يختار كل الظروف التي تشكله، لكنه يظل مسؤولا عن مراجعة ما تصنعه تلك الظروف في داخله، وعن الأذى الذي يختار أن يورثه للآخرين.

 

لذلك، فإن بناء مجتمع أفضل لا يبدأ بمعاقبة السلوك السيئ وحده، ولا بتبريره باسم الظروف، بل بفهم أسبابه، وإصلاح البيئة التي تكافئه، وترسيخ القيم التي تحد منه، ومحاسبة من يصر على ممارسته.

 

فإذا أردنا إنسانا أكثر رحمة وأمانة، فعلينا ألا نكتفي بمطالبته بالأخلاق، بل أن نبني مؤسسات عادلة، وفرصا منصفة، وثقافة تحترم الصدق، وتحمي الضعيف، وتجعل المسؤولية أعلى قيمة من الامتياز.

 

ويبقى السؤال الأخير في هذه الرحلة: إذا كانت الحظيرة قد تشكلت من حاجات الإنسان ومخاوفه ومصالحه، فهل يستطيع أن ينتقل من مجرد حراسة أسوارها إلى بناء حياة أكثر عدلا، يكون فيها الإنسان غاية لا وسيلة؟

 

في الجزء العاشر والأخير: من حراسة الحظيرة إلى رعاية الحياة — حين يبدأ الإنسان رحلة التحرر من داخله، ليعيد بناء العالم من حوله.

 

د اسامة الفاتح العمري

↑
Exit mobile version