هزيمة الجمهوريين ليست مجرد خسارة انتخابية.. بل اختبار جديد لمشروع سياسي راهن على القوة والغرور فهل تلتقط المنطقة العربية والإسلامية لحظة التحول؟
لم تكن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين مجرد انتكاسة انتخابية عابرة في حسابات الحزب وإنما تمثل تحولاً سياسياً بالغ الأهمية يضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع مختلف ويمنح خصومه الديمقراطيين فرصة غير مسبوقة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الأمريكي وفتح ملفات ظلت محل جدل واسع خلال الفترة الماضية.
فالكونغرس الذي كان يمثل مساحة مريحة لتمرير أجندة الجمهوريين يمكن أن يتحول إلى ساحة رقابة ومساءلة ومواجهة سياسية مفتوحة. ومع امتلاك الديمقراطيين الأغلبية في المجلسين، لن يكون تمرير التشريعات والقرارات أمراً سهلاً دون تفاهمات مع المعارضة كما ستصبح الإدارة الأمريكية أمام رقابة برلمانية أكثر تشدداً تشمل التحقيقات واستدعاء المسؤولين والمطالبة بالوثائق ومراجعة القرارات.
إنها لحظة سياسية قد لا تتوقف تداعياتها عند حدود واشنطن بل تمتد إلى ملفات السياسة الخارجية والحروب والعلاقات الدولية.
الأخطر في هذه الهزيمة ليس فقدان الجمهوريين للأغلبية البرلمانية فحسب، وإنما ما تفتحه من أبواب أمام مساءلة الإدارة الأمريكية عن ملفات شائكة.
فالديمقراطيون يمتلكون فرصة لفتح تحقيقات تتعلق بالمصالح التجارية لعائلة ترامب والملفات المرتبطة بقضية جيفري إبستين فضلاً عن الإنفاق الدفاعي وعلاقة بعض الشركات بمراكز النفوذ السياسي.
كما أن ملف وزارة الدفاع الأمريكية قد يكون أحد أبرز ميادين المواجهة المقبلة خاصة في ظل المطالبات بمراجعة أوجه الإنفاق العسكري والتحقق من التقارير المتعلقة بتوجيه أموال الدفاع إلى شركات ذات صلات بمحيط ترامب
ولا يمكن استبعاد تصاعد الضغوط داخل الحزب الديمقراطي للمضي نحو إجراءات مساءلة سياسية جديدة بحق ترامب وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة نجاح أي محاولة للعزل
فالمسار الدستوري الأمريكي له حساباته وشروطه المعقدة.
لكن مجرد فتح هذه الملفات كفيل بإرباك الإدارة وإشغالها بمعارك داخلية قد تحد من قدرتها على التحرك بحرية في ملفات خارجية شديدة الحساسية.
من بين الملفات التي قد تتأثر بهذا التحول الملف الإيراني، الذي ظل أحد أكثر الملفات حساسية في حسابات إدارة ترامب.
فأي تصعيد عسكري أو مواجهة جديدة لن يكون قراراً سياسياً بسيطاً يمكن اتخاذه بمعزل عن موازين القوى داخل المؤسسات الأمريكية خصوصاً ان الكونغرس أصبح تحت سيطرة حزب معارض يملك أدوات الرقابة على الإنفاق والسياسات الدفاعية.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج التحول الانتخابي: لم يعد بإمكان الإدارة أن تتعامل مع الملفات الخارجية باعتبارها مساحة مفتوحة لاتخاذ القرارات دون حسابات داخلية دقيقة.
وقد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى مراجعة أولوياتها والموازنة بين طموحاتها الخارجية والضغوط السياسية والاقتصادية في الداخل.
إن شعار «أمريكا أولاً» الذي رفعه ترامب لم يكن مجرد شعار انتخابي بل تحول إلى عنوان لسياسة خارجية مثيرة للجدل تقوم على إعادة تعريف التحالفات والضغط الاقتصادي واستخدام أدوات القوة لتحقيق المصالح الأمريكية.
لكن التجربة كشفت عن مفارقة لافتة فبينما رُفعت شعارات إنهاء الحروب وتحقيق الاستقرار ظلت ملفات الصراعات الدولية مفتوحة على احتمالات التصعيد وأصبحت كثير من السياسات الأمريكية محل تساؤل حتى داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.
وهنا تكمن دلالة الهزيمة السياسية: الناخب الأمريكي عندما يعيد توزيع موازين القوة داخل المؤسسات فإنه يمنح رسالة واضحة بأن السلطة ليست تفويضاً مفتوحاً وأن الشعارات لا تعفي أصحابها من المحاسبة.
غير أن الرهان على أن الهزيمة الانتخابية ستؤدي تلقائياً إلى تغيير جذري في السياسة الأمريكية قد يكون قراءة مستعجلة فالمؤسسات والمصالح الاستراتيجية في واشنطن تتجاوز حدود الحزبين ولا تتغير جميع توجهاتها بمجرد انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر.
هنا تنتقل القضية من حدود الصراع الحزبي الأمريكي إلى سؤال أكثر أهمية بالنسبة للمنطقة العربية والإسلامية: ماذا يمكن أن نفعل في ظل انشغال واشنطن بإعادة ترتيب بيتها الداخلي؟
إن التحولات داخل الولايات المتحدة، وما قد يصاحبها من مراجعات للسياسات الخارجية تفتح نافذة سياسية أمام دول المنطقة لإعادة تقييم علاقاتها الدولية وتنويع شراكاتها وتعزيز استقلالية قراراتها الاقتصادية والأمنية.
لقد ظلت المنطقة لعقود طويلة تدفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية والتنافس الدولي بينما تحولت بعض ملفاتها إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
والأكثر إيلاماً أن بعض الأطراف العربية كانت حاضرة في معادلات الصراع أكثر من حضورها في صناعة الاستقرار.
لكن الفرصة لا تكمن في انتظار ضعف الولايات المتحدة أو انهيار نفوذها وإنما في امتلاك القدرة على بناء مشروع إقليمي مستقل يقوم على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي والتعاون الأمني واحترام سيادة الدول.
فالفراغات السياسية لا تنتظر طويلاً وإذا لم تمتلك المنطقة مشروعها الخاص فإن قوى دولية أخرى ستسعى إلى ملئها وفق حساباتها ومصالحها.
وفي خضم هذه التحولات لا يمكن تجاهل الأثر السياسي والإنساني الذي تركته الحرب في غز*ة داخل الرأي العام الأمريكي والدولي.
فقد أصبحت القضية الفلسطي*نية حاضرة بقوة في النقاشات السياسية والجامعات والمؤسسات الإعلامية وفرضت على قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي إعادة النظر في مواقفها من السياسات الأمريكية تجاه المنطقة.
لقد كشفت غز*ة اتساع الفجوة بين الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والعدالة وبين المواقف العملية من معاناة المدنيين الفلسطينيين.
ومن هنا فإن أي قراءة للتحولات السياسية الأمريكية لا ينبغي أن تتجاهل الدور الذي لعبه الحراك الشعبي والإعلامي والحقوقي في إعادة تشكيل النقاش الداخلي حول السياسة الخارجية الأمريكية.
إن ما يحدث في واشنطن وفق هذه المعطيات يتجاوز كونه معركة انتخابية بين الجمهوريين والديمقراطيين فهو اختبار لقدرة المؤسسات الأمريكية على فرض التوازن والمساءلة وفرصة لإعادة النظر في سياسات أثارت جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لكن الرسالة الأهم ليست في انتصار الديمقراطيين أو خسارة الجمهوريين، وإنما في الدرس الذي ينبغي أن تستوعبه المنطقة العربية والإسلامية.
فالدول التي لا تمتلك مشروعها السياسي والاقتصادي والأمني، ستظل رهينة لمشروعات الآخرين مهما تبدلت الإدارات وتغيرت الوجوه في البيت الأبيض.
إن العالم لا ينتظر المترددين وموازين القوة لا تصنعها الأمنيات وإنما تصنعها الإرادة والمؤسسات والقدرة على استثمار التحولات.
فهل تكون هزيمة معسكر ترامب بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية أم أننا سنكتفي بمراقبة الصراع الأمريكي من مقاعد المتفرجين بينما يواصل الآخرون رسم مستقبل منطقتنا؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل عواصم العالم العربي والإسلامي

