الخنساء مجدي تكتب … من موسكو إلى الخرطوم .. هل تنقذ التجربة الروسية كهرباء السودان ؟

في الحروب، لا تكون المعارك دائماً على الأرض، ولا تُحسم المواجهات بالسيطرة على المدن والمواقع العسكرية وحدها؛ فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية، تدور حول محطات الكهرباء ومصادر المياه والمنشآت الحيوية التي تمثل شريان الحياة للمواطنين وأحد أهم مقومات بقاء الدولة ومؤسساتها.

وفي السودان، حيث أصبحت محطات الكهرباء هدفاً لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة من قبل مليشيا الدعم السريع لم يعد الحديث عن حماية هذه المنشآت ترفاً هندسياً أو مسألة فنية مؤجلة بل تحول إلى قضية أمن قومي تمس حياة ملايين المواطنين وتضع الدولة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية بنيتها التحتية واستمرار تقديم الخدمات الأساسية في ظروف الحرب.

لعل من أبرز الدروس التي تقدمها الحرب الروسية الأوكرانية أن حماية المنشآت الحيوية لا تعتمد على منظومات الدفاع المتطورة وحدها مهما بلغت قدراتها وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الحماية التقنية والتحصين الهندسي والإجراءات الوقائية والاستعداد للطوارئ.

فقد كشفت عن تطور لافت في أساليب حماية محطات الطاقة والمحولات الكهربائية، ومن بينها استخدام حواجز وهياكل واقية وشبكات حماية وتحصينات هندسية حول المنشآت بهدف تقليل آثار الهجمات وحماية المعدات الحساسة من الأضرار المباشرة والشظايا .
واللافت أن التجربة الروسية في مواجهة الهجمات الهجمات قدمت نماذج عملية في هذا المجال من بينها إنشاء حواجز هندسية متعددة المستويات حول محطات التحويل والمعدات الكهربائية إلى جانب استخدام وسائل حماية مادية أخرى في محاولة لتقليل حجم الأضرار وضمان استمرار عمل الشبكة الكهربائية.

وهنا تكمن الفكرة التي ينبغي أن يتوقف عندها السودان طويلاً: ليست كل حماية ناجحة بحاجة إلى حلول باهظة الثمن وليست كل مواجهة مع الطائرات المسيّرة تُحسم بالتقنيات العسكرية وحدها فالتخطيط الهندسي والاستعداد المسبق وتقليل نقاط الضعف يمكن أن تلعب أدواراً مهمة في حماية المنشآت.

ما تعرضت له محطات الكهرباء السودانية خلال الفترة الأخيرة يفرض مراجعة شاملة لأساليب تأمين البنية التحتية خصوصاً بعد الهجمات التي طالت منشآت كهربائية وألحقت أضراراً بمحطات التحويل والإمداد وأعادت ملايين المواطنين إلى دائرة المعاناة مع انقطاع الخدمات.

وليس من المنطقي أن تظل محطات الكهرباء مكشوفة أمام التهديدات المتكررة، بينما تملك تجارب الحروب الحديثة دروساً يمكن الاستفادة منها وتكييفها وفق الإمكانات والظروف السودانية.

المطلوب ليس استنساخ التجربة الروسية بحذافيرها وإنما الاستفادة من الدروس التي كشفت عنها الحرب عبر وضع برنامج وطني لحماية المنشآت الحيوية تشارك فيه الجهات الفنية والهندسية المختصة ويقوم على تقييم المخاطر وتعزيز الحماية المادية للمحطات، وتوفير بدائل تشغيلية ورفع قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة للأعطال والهجمات.

كما أن تنويع مصادر الإمداد الكهربائي، وتوفير قطع الغيار والمحولات الاحتياطية، وتطوير قدرات الصيانة والاستعادة، وتقليل الاعتماد على نقاط مركزية محدودة، كلها خطوات ينبغي أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية طويلة الأمد.

فالدولة التي تخوض حرباً لا يكفيها أن تحافظ على منشآتها من السقوط، بل عليها أن تضمن قدرتها على إعادة تشغيلها واستعادة الخدمات مهما تعددت التحديات.

وفي هذا التوقيت، تكتسب زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى موسكو أهمية تتجاوز المشاركة البروتوكولية في القمة الروسية الأفريقية الثالثة.

فالوفد السوداني الذي ضم وزيري الخارجية والمالية ومدير جهاز المخابرات العامة ومدير منظومة الصناعات الدفاعية يعكس تعدد الملفات المطروحة على طاولة العلاقات الثنائية ويمنح الزيارة أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية

لكن السؤال الأهم: هل تستطيع الخرطوم تحويل هذه الزيارة إلى شراكة عملية تسهم في حماية منشآتها الحيوية وإعادة تأهيل بنيتها التحتية؟

السودان يحتاج إلى تعاون يتجاوز ما ذكره على هامش القمة الروسية الأفريقية ويصل إلى مجالات الطاقة والكهرباء والتقنيات الهندسية والتدريب ونقل الخبرات فضلاً عن تأمين الإمدادات الضرورية لاستقرار الاقتصاد ومعاش المواطنين.

ويمكن أن تكون حماية محطات الكهرباء أحد الملفات المهمة التي تطرحها الخرطوم على موسكو و الاستفادة من الخبرات الفنية المتراكمة في التعامل مع المنشآت الحيوية خلال الحروب والاستعانة بالخبراء المختصين لتقييم احتياجات السودان ووضع حلول تتناسب مع طبيعة التهديدات والإمكانات المتاحة.

أما الحديث عن القمح والوقود والإمدادات الاستراتيجية، فيجب أن ينتقل من مستوى التطلعات

الى اتفاقيات واضحة تتضمن الكميات والأسعار وآليات التمويل والتوريد والضمانات التنفيذية

ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها؛ المواطن الذي عاش تجربة الحرب وفقد الأمن والاستقرار يدرك أن الخدمات الأساسية، مهما بلغت أهميتها، لا تنفصل عن وجود دولة قادرة على حماية المواطنين وصون كرامتهم.

قد يتحمل المواطن مشقة انقطاع الكهرباء والمياه رغم قسوة ذلك على حياته ومعيشته لكنه لا يريد أن يعود إلى ظروف الخوف وانعدام الأمن والانتهاكات التي عاشتها على يد المليشيا مناطق خلال الحرب.

غير أن هذا لا يعني التقليل من معاناة المواطنين أو اعتبار انقطاع الخدمات أمراً يمكن التعايش معه بلا نهاية؛ فالكهرباء ليست رفاهية وإنما ضرورة للمستشفيات والمياه والتعليم والاقتصاد والحياة اليومية.

ولهذا فإن حماية محطات الكهرباء يجب أن تكون أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل تماماً مثل حماية بقية المنشآت المدنية والخدمية.

إن التجربة التي كشفت عنها الحرب الروسية الأوكرانية تضع أمام السودان فرصة للاستفادة من الدروس الحديثة في حماية البنية التحتية وتؤكد أن التعامل مع التهديدات لا ينبغي أن يقتصر على إصلاح الأضرار بعد وقوعها.

المطلوب تحرك حكومي جاد، وخطة علمية واضحة، وتعاون مع الدول التي تمتلك خبرات في حماية منشآت الطاقة مع إعطاء الأولوية لتأمين المحطات الأكثر أهمية وتوفير بدائل للإمداد، وتأهيل الكوادر الوطنية.

أما زيارة موسكو، فإن قيمتها الحقيقية لن تقاس بعدد اللقاءات أو قوة التصريحات وإنما بما يمكن أن تنتجه من تفاهمات واتفاقيات قابلة للتنفيذ تنعكس على أمن السودان واقتصاده وخدماته.

وفي معركة الكهرباء، لا يكفي أن ننتظر انطفاء الأضواء حتى نتحرك بل ينبغي أن نبدأ من الآن في حماية ما تبقى حتى لا تتحول محطات الطاقة إلى رهينة دائمة للمليشيا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى