أخر الأخبار

دكتور أسامة العمري يكتب: الحظيرة التي تسكن الإنسان (5)

الجزء الخامس:

صراع العطاء وجحود الإنسان — حين لا يجد الإحسان دائما ما يستحقه من الوفاء

ليس كل من تمنحه الخير سيحفظه، وليس كل من تقف إلى جانبه سيقف معك حين تحتاج إليه.

في رحلة الإنسان داخل الحظيرة، يظل العطاء أحد أكثر الاختبارات تعقيدا؛ لأنه يكشف الفارق بين ما نمنحه للآخرين وما نتوقعه منهم، وبين قيمة الإحسان في ذاته وحسابات المصالح التي تحكم بعض العلاقات.

قد تمنح إنسانا وقتك وجهدك وثقتك، وتسانده حين يضعف، وتفتح له بابا حين تغلق الأبواب في وجهه. ثم تتفاجأ بأنه حين تتغير الظروف، يتعامل مع عطائك كأنه لم يكن، أو ينسب الفضل إلى نفسه، أو يقف بعيدا عندما تصبح أنت في حاجة إلى من وقفوا معك.

لكن هل يعني ذلك أن العطاء خطأ؟

ليس بالضرورة. فالخطأ قد لا يكون في العطاء نفسه، بل في الاعتقاد بأن كل من نمنحه الخير يمتلك الاستعداد الأخلاقي لحفظه، أو أن كل معروف يصنع رابطة وفاء دائمة.

فالإنسان لا يتعامل مع المعروف دائما بميزان واحد؛ هناك من يراه أمانة تستوجب التقدير، وهناك من يراه فرصة عابرة، وهناك من يعتاد ما تقدمه له حتى يفقد القدرة على إدراك قيمته. وقد يصل الأمر ببعض الناس إلى اعتبار العطاء المتكرر حقا مكتسبا، ثم يشعرون بالاستياء حين يتوقف.

وهنا تتداخل الحاجة مع المصلحة، والامتنان مع الاعتياد، والوفاء مع حسابات المكسب والخسارة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يجعلنا الجحود نتحول إلى صور أخرى ممن خذلونا. فليس المطلوب أن نتوقف عن الخير، بل أن نمنحه بوعي، وأن نفرق بين الرحمة والاستنزاف، وبين الكرم والتنازل عن الكرامة، وبين مساعدة الإنسان وتحمل مسؤولية حياته نيابة عنه.

فالعطاء الذي لا تحكمه البصيرة قد يتحول إلى استنزاف، أما العطاء الذي تحرسه الحكمة فيظل قيمة إنسانية لا تتحكم فيها تقلبات الآخرين.

ولا تقاس أخلاق الإنسان بما يأخذه حين يكون محتاجا فقط، بل بما يفعله حين يصبح قادرا، وبما يحفظه من فضل الآخرين حين يستغني عنهم.

ويبقى السؤال الأعمق: لماذا ينسى الإنسان أحيانا اليد التي امتدت إليه، بينما يتذكر طويلا من وقف في طريقه؟ وهل الجحود طبيعة بشرية، أم سلوك تصنعه المصالح حين تتقدم على الضمير؟

في الجزء السادس: الطبيعة — الشاهد الذي لا يحتاج إلى الكلام، حين تكشف الأرض ما عجز الإنسان عن الاعتراف به.

د اسامة الفاتح العمري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى