في لحظات الوفاء، تصبح الكلمات أصدق تعبير عن الامتنان، وتغدو شهادات التقدير أكثر من مجرد أوراق تُمنح أو تُعلّق على الجدران؛ إنها رسالة اعتراف بجهدٍ بُذل، وموقفٍ سُجّل، ومسيرةٍ حملت في طياتها الكثير من التحديات والتضحيات.
من هذا المنطلق، أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى السيد مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، على شهادة التقدير التي تفضل بمنحي إياها، تقديرًا لدوري الإعلامي وعطائي المهني خلال عملي بالتلفزيون القومي في مدينة الفاشر، حيث ظللت أؤدي واجبي الإعلامي حتى سقوط المدينة في يد مليشيا آل دقلو.
إن هذه الشهادة تمثل بالنسبة لي قيمة معنوية كبيرة، لأنها تأتي تقديرًا لتجربة مهنية عشت تفاصيلها في مدينة الفاشر، في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة، حيث لم يكن العمل الإعلامي مجرد أداء لوظيفة، بل كان مسؤولية وطنية وأخلاقية، ومحاولة مستمرة لنقل الوقائع وتوثيق الأحداث وإيصال صوت المواطنين إلى الرأي العام.
لقد كانت الفاشر أكثر من مجرد مكان للعمل؛ كانت مساحةً لاختبار الصبر والثبات، وميدانًا لممارسة المهنة في ظروف فرضت على الإعلامي تحديات تفوق حدود العمل التقليدي. وفي تلك الأوقات، ظل الإيمان برسالة الإعلام حاضرًا، وظل الشعور بالمسؤولية تجاه المواطن والوطن دافعًا للاستمرار، حتى أصبحت مغادرة المدينة أو توقف العمل فيها جزءًا من التحولات القاسية التي فرضتها الحرب.
ومن هنا، فإنني أنظر إلى هذه الشهادة باعتبارها تقديرًا لا يخص شخصي وحدي، بل يمتد إلى كل الزملاء والزميلات في الوسط الإعلامي الذين أدوا واجبهم في ظروف الحرب، وتحملوا مشاق العمل ومخاطر الميدان، وسعوا إلى أداء رسالتهم رغم قسوة الظروف وشح الإمكانات وتعدد التحديات.
إن الإعلام في أوقات الأزمات لا تقل مسؤوليته عن أي مسؤولية وطنية أخرى؛ فالكلمة الصادقة تحفظ الذاكرة، والتوثيق المهني يصون الوقائع من النسيان، والصورة تنقل ما قد تعجز الكلمات عن وصفه. ولهذا، فإن تكريم الإعلاميين الذين عملوا في مناطق النزاع يحمل دلالة مهمة، تتمثل في الاعتراف بدورهم في نقل الأحداث وتوثيق معاناة الناس وحفظ جزء من تاريخ الوطن.
السيد مني أركو مناوي، إنني إذ أعبّر عن تقديري لهذه المبادرة، أؤكد أن قيمة التكريم الحقيقية لا تكمن في الشهادة وحدها، وإنما في المعنى الذي تحمله، وفي ما تمثله من تقدير للكلمة والإخلاص للمهنة والاعتراف بجهود العاملين في الحقل الإعلامي. وهي مسؤولية تدفعني إلى مواصلة التمسك بأخلاقيات العمل الصحفي، والحرص على أن تظل الحقيقة وكرامة الإنسان في صدارة الرسالة الإعلامية.
كما أرجو أن يكون هذا التكريم حافزًا لمزيد من الاهتمام بالإعلاميين السودانيين، ولا سيما أولئك الذين عملوا في مناطق الحرب، وواجهوا ظروف النزوح وفقدان الاستقرار وتوقف المؤسسات الإعلامية عن أداء مهامها. فهم جزء من الذاكرة الوطنية، وتجاربهم تستحق التوثيق والاهتمام، كما يستحقون الرعاية والتقدير لما بذلوه من جهود في خدمة المهنة والمجتمع.
إن دارفور، بما تحمله من تاريخ وتنوع إنساني وثقافي، تحتاج اليوم إلى خطاب إعلامي مسؤول يسهم في ترميم النسيج الاجتماعي، ويعزز قيم التعايش والسلام، ويفتح نوافذ الأمل أمام الأجيال القادمة. كما يحتاج السودان كله إلى إعلام يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويمنح الحقيقة مكانتها، ويبتعد عن خطاب الكراهية، ويعمل من أجل السلام والاستقرار.
وفي الختام، أجدد شكري وتقديري للسيد مني أركو مناوي على شهادة التقدير، سائلًا الله أن يحفظ أهل دارفور والسودان، وأن يهيئ لوطننا طريق السلام والأمان، وأن تعود الفاشر وسائر المدن السودانية إلى حياة الاستقرار، وأن يجد الإعلاميون البيئة التي تمكنهم من أداء رسالتهم بحرية ومهنية ومسؤولية.
ستظل هذه الشهادة ذكرى عزيزة في مسيرتي المهنية، ودافعًا لمواصلة العطاء، وإيمانًا بأن الجهد المخلص لا يضيع، وأن الاعتراف بالكلمة والموقف هو تقدير للإنسان ولرسالته.
شكرًا على التقدير، وشكرًا لكل من يؤمن بأن الإعلام رسالة، وأن الكلمة أمانة، وأن خدمة الوطن مسؤولية لا تسقط مهما اشتدت المحن.
أحمد جمام
مراسل التلفزيون القومي الفاشر
شكرًا مناوي.. شهادة تقدير تُنصف الكلمة والموقف
