الجزء الثاني:
صناعة الإنسان — حين تتحول الحاجة إلى وسيلة للسيطرة
ليس كل ما يفعله الإنسان تعبيرا عن حريته، فقد يكون أحيانا استجابة لقيد لم يعد يشعر بوجوده.
يولد الإنسان محتاجا إلى الأمان والرعاية والانتماء والتقدير، وهي احتياجات طبيعية لا تستقيم الحياة دونها. لكن هذه الاحتياجات قد تتحول، داخل بعض المنظومات، إلى أدوات لتشكيل الوعي وتوجيه السلوك.
فمن يعرف حاجتك قد يمنحك ما تحتاج إليه، لكنه قد يستخدم حاجتك أيضا ليحدد لك كيف تفكر، وماذا تقول، ومتى تعترض، ولمن تمنح ولاءك.
وهكذا لا تصبح المكافأة مجرد مقابل للعطاء، ولا الحرمان مجرد غياب للمنفعة، بل يتحولان أحيانا إلى وسيلتين لصناعة إنسان يتصرف بما يضمن بقاءه داخل المنظومة، حتى لو تعارض ذلك مع قناعاته.
حين تتقدم المصلحة على الحقيقة
قد يبدأ الإنسان بالتنازل عن قناعة صغيرة حفاظا على منفعة، ثم يبرر تنازله، ويكرر السلوك حتى يصبح مألوفا. ومع مرور الوقت، قد لا يعود بحاجة إلى من يفرض عليه الصمت؛ إذ يتعلم أن يراقب نفسه، وأن يستبعد الأسئلة التي قد تهدد مصالحه.
وهنا تكمن خطورة صناعة الإنسان: أن يتحول الضغط الخارجي إلى رقابة داخلية، وأن يصبح الإنسان شريكا في تقييد نفسه دون أن يدرك ذلك.
ولا يعني هذا أن كل من يساير واقعه فاقد للإرادة، أو أن كل تكيف ضعف؛ فالإنسان يحتاج إلى الحكمة في التعامل مع ظروفه. لكن الفارق كبير بين من يتكيف مؤقتا ليحافظ على قدرته على التغيير، ومن يتنازل عن وعيه حتى يفقد القدرة على التمييز بين الصواب وما تفرضه عليه مصلحته.
منظومة تصنع السلوك ثم تكافئه
حين تكافئ البيئة الطاعة العمياء أكثر من الكفاءة، والانتهازية أكثر من النزاهة، والولاء للأشخاص أكثر من الالتزام بالمبادئ، فإنها لا تكتفي باستقبال السلوكيات، بل تساهم في إنتاجها وتكرارها.
ثم يأتي الإنسان الذي تشكل داخلها ليدافع عن قواعدها، وربما يورثها لمن بعده، فتستمر الدائرة: منظومة تصنع السلوك، وسلوك يعيد إنتاج المنظومة.
وهكذا قد يصبح إصلاح الأشخاص وحده غير كاف، ما دامت القواعد التي تكافئ الخطأ وتعاقب الصواب قائمة دون مراجعة.
من صناعة الإنسان إلى استعادة إنسانيته
إن فهم هذه الآليات لا يعفي الإنسان من المسؤولية، بل يساعده على استعادتها. فليس كل ما ورثناه قدرا، وليس كل ما اعتدناه حقيقة، وليس كل ما يكافئه المجتمع جديرا بأن نسعى إليه.
تبدأ استعادة الإنسان عندما يستطيع أن يسأل: هل اختار مواقفه عن قناعة، أم دفعته إليها حاجته؟ وهل يقيس نجاحه بما يضيفه إلى الحياة، أم بما يحصل عليه من امتيازات؟ وهل يستخدم قوته لحماية الآخرين، أم لإبقائهم في مواقع أضعف منه؟
فأخطر ما تصنعه المنظومة ليس إنسانا يطيعها خوفا منها، بل إنسانا يعتقد أن مصالحها هي مصالحه، وأن استمرارها هو شرط بقائه، حتى عندما تصبح جزءا من أزمته.
لكن ماذا يحدث عندما تضيق الحظيرة، وتعجز عن إشباع طموحات من بداخلها؟ هل يبدأ الإنسان رحلة التحرر، أم يشتد التنافس بين أهلها على المواقع والمكافآت؟
في الجزء الثالث: التزاحم داخل الحظيرة — حين يصبح الصراع على المقاعد بديلا عن تغيير القواعد.
د. اسامة الفاتح العمري
