دكتور اسامة العمري يكتب : الحظيرة التي تسكن الإنسان

الجزء الأول:
حين يصبح السجن جزءا من هوية السجين

أخطر أنواع الأسر أن يفقد الإنسان القدرة على إدراك أنه أسير.

يولد الإنسان في عالم لم يختر قواعده، ويرث عن أسرته ومجتمعه أفكارا وعادات وانتماءات تشكل وعيه قبل أن يمتلك القدرة على مناقشتها. ومع مرور الزمن، قد يتحول ما ورثه إلى حقيقة مطلقة في نظره، وما اعتاده إلى طبيعة لا يتصور الحياة خارجها.

هذه هي الحظيرة التي نتحدث عنها؛ ليست مكانا تحيط به الأسوار، بل منظومة من المصالح والحاجات والمخاوف والمكافآت، تمنح الإنسان الأمان والانتماء، مقابل التكيف مع قواعدها وحدودها.

ومع الوقت، قد يصبح الإنسان أسيرا لها دون أن يشعر، بل قد يتحول إلى أحد حراسها، يدافع عن قيودها ويقاوم تغييرها، حتى عندما تعجز عن تلبية احتياجاته.

حين يتحول التكيف إلى أسر

تبدأ المشكلة عندما تصبح الحاجة وسيلة للسيطرة، والمكافأة ثمنا للطاعة، والخوف عائقا أمام السؤال.

يتعلم الإنسان عندئذ أن الصمت قد يكون أكثر أمانا من الحقيقة، وأن مجاراة السائد أقل تكلفة من الاعتراض، وأن حماية مصلحته قد تتطلب منه الدفاع عن مواقف لم يكن ليقبلها بعيدا عن مخاوفه ومكاسبه.

وهكذا قد يرث الأبناء من آبائهم ليس الأفكار وحدها، بل المخاوف والخصومات والقيود أيضا، ثم ينقلونها إلى أبنائهم باعتبارها قواعد الحياة.

وقد يورث الإنسان أبناءه مفاتيح الحظيرة معتقدا أنه يمنحهم مفاتيح النجاة.

التزاحم على المقاعد

حين تضيق الحظيرة بأهلها، يبدأ التنافس على مواقعها ومكافآتها. لكن الصراع لا يعني دائما الرغبة في التحرر؛ فقد يكون مجرد محاولة لتبادل الأدوار.

يريد الخاضع أن يصبح مسيطرا، والمحروم أن ينال الامتياز، دون أن يسأل أحدهم لماذا تقوم المنظومة أصلا على السيطرة والحرمان.

وهكذا قد يثور الإنسان على الظلم، ثم يعيد إنتاجه عندما يمتلك القوة، لأنه لم يغير القواعد التي صنعت المشكلة، بل غير موقعه داخلها.

متى يبدأ التحرر؟

لا يبدأ التحرر بمجرد مغادرة المكان أو تغيير الانتماء، فقد يخرج الإنسان من حظيرة ليدخل أخرى، أو يرفض قيودا قديمة ليصنع قيودا جديدة.

إن البداية الحقيقية تحدث عندما يمتلك الشجاعة ليسأل نفسه:

هل أؤمن بهذه الفكرة لأنها صحيحة، أم لأنني ورثتها؟ وهل أدافع عن هذا الموقف لأنه عادل، أم لأنه يخدم مصلحتي؟ وهل أريد تغيير القواعد لأنها ظالمة، أم لأنني لم أحصل بعد على الموقع الذي أريده؟

فالوعي ليس رفضا لكل ما ورثناه، بل القدرة على مراجعته واختيار ما يستحق البقاء منه.

وربما لا تكون المأساة أن يولد الإنسان داخل حظيرة لم يخترها، بل أن يقضي عمره يدافع عن أسوارها، معتقدا أنها حدود الحياة نفسها.

ويبقى السؤال الأعمق:

هل الحظيرة هي التي تسجن الإنسان، أم أنها تنجح أحيانا في تشكيل وعيه إلى الحد الذي يجعله يعتقد أن قيودها هي طبيعته الأصلية؟

في الجزء الثاني: صناعة الإنسان — حين تتحول الحاجة والمصلحة والخوف والمكافأة إلى أدوات لتشكيل الوعي والسلوك.

د. اسامة الفاتح العمري

↑
Exit mobile version