العلاقات السودانية الأمريكية بين مشروعية النظام وفقدان نقطة التوازن

بقلم /شرف الدين أحمد حمزة
المدير العام الاسبق للإدارة السياسية والاعلام بالأمانه العامة لمجلس الوزراء..الخرطوم

الحلقة الرابعة

●أصبحت العلاقات السودانية الأمريكية اكثرتميزا في عهد الرئيس الأمريكي رونالدريجان فبعد ان قام بتأدية القسم في العام 1981 برزت العديد من المؤشرات الاكثر ايجابية في مسار العلاقات بين البلدين _ واصبح المشير / جعفر محمد نميري اكثر حضورا في اجندة الولايات المتحدة الأمريكية وبدأت في اعداده ليكون حليفا استراتيجيا بديلا عن شاه ايران الشاه محمد رضا بهلوي الذي اطاحت به ثورة الامام الخميني عام 1979 بهذا تكون الولايات المتحدة الأمريكية بفقدها لشاهد ايران فقد فقدت شرطيها الامين بالشرق الاوسط وفقدت امالها وطموحاتها في استنزاف الثروه البترولية الهائله بالاراضي الايرانيه _ كما كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد قامت بتدجين الرئيس المصري محمد انور السادات بعد ان قام بتوقيع إتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية عام 1979 بأوامر مؤقته وافراغ القضية الفلسطنية من جوهرها ومضمونها وقوتها الدافعة ولكن كان الاهتمام الأكبر و المتعاظم للولايات المتحدة الأمريكية بالسودان وثرواته وموقعه الجيوستراتيجي وبشخصية المشير جعفر نميري مفتاحها الي ذلك كله ..

●…من مظاهر الاهتمام الأمريكي بالسودان وبشخص المشير جعفر نميري ما حدث بعد وصول ركب المشير نميري الي مطار الأبيض في طريقه لإفتتاح جلسة مجلس الشعب الاقليمي بولاية كردفان عام 1982 وشعور الرئيس المشير نميري بالدوار الذي حال دون إلقاء خطابه في افتتاح الدوره الجديده للمجلس حيث تم نقل المشير نميري علي عجل الي العاصمه السودانية الخرطوم حيث كان السفير الأمريكي هيوم الكسندرهوران قد اكمل اتصالاته بالرئاسه الأمريكية حيث نقل المشير نميري علي الفور الي العاصمه الأمريكية حيث تلقي علاجه والعنايه الطبية اللازمة علي الفور بمستشفي ” والتر ريد” العسكري Army medical center بواشنطن حيث كان قريبة وطبيبه الخاص اللواء ا.ح طبيب عبدالسلام صالح عيسي مرافقا له

●…الاهتمام الأمريكي وسعيها لاستكشاف الغاز والبترول بالسودان بدأت ارهاصاته منذ العام 1974 علي سواحل البحر الاحمر ضمن المياه الاقليمية السودانية وكانت شركة شيفرون قد اوفدت رئيس العمليات الخارجية سويد نيلسون sweede nelson للسودان اوائل فبراير 1974 للابلاغ عن نتائج مسوحات شيفرون حول الغاز ومكثفات الغاز بسواحل البحر الاحمر ..لكن بداية الاكتشاف التجاري للبترول السوداني بواسطة شركة شيفرون الأمريكية تم في عام 1978 كما تم الاعلان كذلك عن بداية الانتاج التجاري بحوض ابوجابرة عام 1979

●توالت كشوفات شيفرون للبترول في السودان حيث تم الاعلان عن اكتشاف النفط التجاري بحقل الوحده عام 1981 ، كما تم الاعلان عن اكتشاف النفط التجاري كذلك بحقل هجليج عام 1982 وكذلك فقد بدأت شركة ستاندارد اويل Standard oil of California في بناء الخط الناقل للبترول من الترابط الخلفي بالحقول المكتشفه حتي مصفاة البترول ببورتسودان علي سواحل البحر الاحمر وكان رئيس مجلس الادارة والمدير التنفيذي لشركة ستاندارد اوبل
المستر/ چورج ماثيو كيلر قد زار السودان للاشراف علي الترتيبات والاعمال الجارية

●غير أن التاريخ لن يتناسي تلك اللحظات التي اعلن خلالها مدير عام شركة شيفرون في مؤتمره الصحفي الشهير عبر اكتشاف البترول وبكميات تجارية في السودان حيث نقلت وكالات الانباء العالمية هذا النبأ وتداولته بكثافة حيث قام المشير جعفر نميري بالقاء خطاب تاريخي للشعب السوداني لتبشيره بهذه الأخبار الساره التي ستشكل نقلة نوعية علي الاقتصاد السوداني ومستويات الرفاهه وبرامج التنمية المستدامة في عموم السودان حيث عم الفرح واعلنت الفعاليات والكيانات الوطنية عن فرحها العارم بالكشوفات البترولية في السودان وباتت رئاسة الجمهورية في إستقبال وفود زعماء القبائل والعشائر للتهنئه كما تلقت رئاسة الجمهورية مئات الالاف من البرقيات التلغرافية من النقابات والهيئات والمؤسسات بالقطاعين العام والخاص والرموز الوطنية وعامة الشعب السوداني للتهنئه ومباركة هذا الانجاز العظيم

●…كان مدير عام شركة شيفرون قد بعث بزجاجتين كبيرتين كعينات للمشير جعفر نميري رئيس الجمهورية ويحكي السيد ابوبكر عثمان محمد صالح وزير شئون رئاسة مجلس الوزراء انه حال ان دخل علي المشير نميري في مكتبه وجده يحتضن احدي زجاجات عينة البترول السوداني وعيناه مغرورقتان بالدموع يبكي فرحا وهو يتمتم ويحمد الله ان اتم الله تعالي هذا الاكتشاف في عصره (راجع من فضلك كتاب سنوات في بلاط الدبلوماسية والسلطة) للسيد ابوبكر عثمان محمد صالح وزير شئون رئاسة مجلس الوزراء

●كانت الصحف السودانية ماتزال تحتفي باكتشاف البترول تجاريا في السودان وتترجم المقالات والتقارير الدولية بالصحف الأجنبية عن أهمية هذه الكشوفات لإطلاع الرأي العام الداخلي ، كما حفلت الاعمدة الصحفيه ومقالات الرأي بهذا الانجاز الكبير كما سارت موجه عارمه من رسومات الكاريكاتير بالصحف السودانية وهي تعكس التغيرات النفسية والمعنويه لقطاعاات الشعب السوداني وكيف ان البعض بات يري نفسه معتمرا أزياء وغطاء الرأس الخليجي بدلا عن العمامه الزي التقليدي السوداني وكيف ان لغة الشارع السوداني قد تحولت الي لهجات اهل الخليج في السلام والتحايا مثل طال عمرك ياهلا عساك طيب وهكذا
وكان الرئيس المشير جعفر نميري قد وجه بوضع واحده من الزجاجتين التي تحتوي علي عينة من البترول السوداني المكثف في مكان بارز بمكتبه بالامانة العامه لمجلس الوزراء بشارع المك نمر والاخري بمكان بارز لوكالة السودان للانباء سونا بمقرها القديم بعمارة ابو العلا القديمة بتقاطع شارع القصر مع شارع الجمهورية فكان ان تقاطرت جموع الشعب السوداني الي وكالة السودان للانباء لرؤية زجاجة عينة البترول السوداني، حيث بدأت جموع الالاف يتقاطرون من أحياء العاصمة والاقاليم السودانية زرافات ووحدانا ينتظمون في صفوف يومية صباحا ومساءً لتكتحل اعينهم برؤية عينة البترول السوداني في ازدحام شديد مما استدعي لتدخل شرطة العاصمة لترابط بين اروقة وطرقات وكالة السودان للانباء لتنظيم الصفوف لعدة أشهر..

●علي ضوء الاعلان الرسمي بإكتشاف البترول في السودان قامت المنظمة العالمية للبلدان المصدرة للبترول “الاوبك” بالاعلان عن انضمام السودان لعضوية الاوبك العالمية بصفة مراقب كمرحلة اولية لنيل العضوية الكاملة _ وعلي هذا فقد استمرت الاوبك في توجيه الدعوه لوزارة الطاقة والتعدين السودانيه لحضور الاجتماعات الدورية لمنظمة الاوبك العالمية بمقر رئاستها بڤينا _ ومن الطرائف أن وزير الطاقة والتعدين السوداني السيد د.محمد شريف التهامي كان في احدي دورات اجتماعات الاوبك قام بدعوتها لتعقد اجتماعها القادم بالخرطوم ولكن حال رفع تقريره بعد عودته لإطلاع الرئيس نميري وجه باستدعائة لمقابلته وابلاغه بخطاب رسمي عن مخالفته للقرار الجمهوري رقم 543 لسنة 1976 المنظم للاتصالات والعلاقات الخارجيه الرسمية والذي ينص علي الاتي ” كل المؤتمرات الاقليمية والدولية لايجوز عقدها أو الالتزام بعقدها في السودان إلا بعد موافقة رئيس الجمهوريه ” _ وقد قام بالفعل السيد وزير الطاقة والتعدين بالاعتزار لمنظمة الاوبك عن تلك الدعوه نزولا علي نص القرار الجمهوري المشار إليه..

●…تنامي العلاقات السودانية الأمريكية تزامن مع بروز وتزايد الاهتمام الأمريكي بالنطاقين والنظامين الاقليمي العربي والافريقي ضمن منظورات أمريكية استراتيجية وفق المؤشرات التالية:-

1/اعادة تعريف نظام المجال الحيوي الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وفق ما جاء بدائرة معارف العلوم الأمريكية

2/تصعيد الحرب الباردة في مواجهة الإتحاد السوڤياتي والشيوعية وفق تطورات سياسيه وعسكريه استراتيجية

3/ زيادة الانفاق العسكري واطلاق مبادرة الدفاع الاستراتيجي المعروفه. بحرب النجوم

4/ تفعيل الغزو العسكري الأمريكي والتدخلات الخارجية والتي بدأت بغزو جرينادا عام 1983 مرورا بقصف ليبيا عام 1986

5/ الكشف عن التميز الأمريكي في مجال الخوارزميات والكشف عن امتلاك الجيش الأمريكي ومؤسسات الدفاع لما يعرف وقتها بالشبكة العنكبوتيه W.W.W والتي لم يكن العالم يعرف عنها شيئا

6/ بروز الاهتمام الأمريكي بإعادة خارطة تمرير البترول والغاز الخليجي عبر البحر الاحمر مرورا بالسودان حتي المحيط الاطلسي _ وكذلك كهرباء المساقط المائيه الافريقيه من خزانات “انجا”enga 1,2,3 بزائير عبر السودان الي اوربا ضمن ما عرف بالخط القاري للكهرباء علي النحو الذي سيتم تفصيلة لاحقا ضمن هذه السلسلة من الحلقات وذلك لاهمية هذه المشروعات وانعكاساتها علي استقرار الاوضاع بالسودان حتي الان ..

●اضحي السودان ميدانا للصراع والحرب البارده بين الولايات المتحدة الأمريكية وغريمها الاتحاد السوڤياتي فبينما كرست الولايات المتحدة الأمريكية نفوذها السياسي والاقتصادي في السودان عبر القوس الشيوعي المعروف بمحور طرابلس اديس ابابا عدن الشيوعي كما خشيت امريكا من تمدد النفوذ السوڤياتي داخل افريقيا عبر حليفها العقيد معمر القذافي الذي قاد غزوا عسكريا برياً الي تشاد دولة الجوار مع السودان مركز المصالح الأمريكية حيث توغلت قوات العقيد معمر القذافي في عمق. الاراضي التشادية بعد معارك دامية في تيزي اوزو ” وفيالارجو”

●بمخططات أمريكية بدأت حكومة المشير جعفر نميري الحليف الأمريكي بالتعاون مع الحكومة المصرية في دعم المعارضة التشادية لمواجهة حكومة الرئيس التشادي جوكوني عويضي حيث نجحت هذه التدخلات في وصول قوات المعارضه التشادية المنطلقة عبر الحدود السودانية الي انجمينا والاطاحه بحكم عويضي واعلان قائد المعارضه التشادية حسين هبري رئيسا لتشاد ومن ثم صد وهزيمة القوات الليبيه الغازيه لتشاد بدعم من الاتحاد السوڤياتي عبر معارك داميه في تيزي اوزو وفيالارجو واسر العديد من الاسري من الجيش الليبي الغازي كان من بينهم الضابط الليبي خليفه حفتر والذي تم تسليمه لاحقا للولايات المتحدة الأمريكية..

●تنامت حدة العداء بين ليبيا والسودان وكان حكومة المشير نميري قد بدأت في استضافة عناصر المعارضه الليبيه لنظام العقيد معمر القذافي علي رأسهم المعارض الليبي محمد المقريف كما بدأت المعارضة الليبيه في بث برامجها الاذاعية الموجهه ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي بما أدي الي تحريك امتداد القوس الشيوعي باديس ابابا الذي يقوده الكلونيل مانقستو هايلي ماريام في الهجوم علي القري المحادده للحدود السودانية الأثيوبية لفتح جبهة صراع مسلح مع الجيش السوداني في إطار استراتيجية محور طرابلس اديس ابابا عدن الشيوعي لحصار المصالح الأمريكية بالسودان واسقاط نظام الحكم القائم برئاسة المشير جعفر نميري

●وسعيا من العقيد القذافي لاخراس اذاعة المعارضة الليبيه التي تبث موجاتها المعارضه لنظام حكمه من السودان قامت طائره عسكريه من طراز توبلوف روسية الصنع صباح الجمعة 16/مارس/ 1984 باختراق الاجواء السودانيه وقصف الاذاعة السودانيه بعدة قنابل اصابت بعض المخازن والمباني الملحقة بحوش الاذاعة ولم يتم اصابة استديوهات الاذاعة الرئيسيه التي لم ينقطع بث ارسالها في حين ان الطائرة المعادية غادرت الاراضي والاجواء السودانيه دون ملاحقه

●في اعقاب قصف الطائرة العسكريه الليبيه لمبني الاذاعة السودانيه اعلنت جمهورية مصر العربية تضامنها مع السودان حيث وصل المشير محمد عبدالحليم ابوغزاله وزير الدفاع والانتاج الحربي المصري الي السودان بعد الاعتداء مباشرة وبدأت العديد من الدول الصديقة للسودان ترسل برقيات استنكارها لحادث القصف الجوي للاذاعة السودانيه وتعلن تضامنها مع السودان

●لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقف مكتوفة الأيدي بل قامت بإرسال احدث طائراتها العسكرية المختصة بالتجسس عن بعد والمعروفة بطائرة ايواكس وهي طائرة ذات امكانيات عاليه ومتفوقه في التجسس وقد قام المشير نميري بتفقد الطائرة والتعرف علي قدراتها وامكاناتها التجسسيه وعرض تلفزيون السودان تفاصيل هذه الزيارة كما وثقتها الصحف السودانية ونشرت صورة المشير نميري داخل طائرة الايواكس مع الضباط الأمريكان داخل الطائرة يشرحون له الامكانات الهائله وقدرات هذه الطائره التي تمثل محطة متكامله للاستشعار عن بعد _ وتواصل بقاء طائرة الايواكس بالسودان لعدة أشهر تقوم بالمسح اليومي للحدود السودانية مع إثيوبيا وليبيا وترفع تقاريرها ونتائج المسح اليومي لرئاستها بامريكا ولإطلاع المشير نميري علي نتائج مسوحاتها اليومية علي مدار الساعة بشأن الاوضاع علي الحدود السودانية مع كل من إثيوبيا وليبيا

●كانت العلاقات السودانية الأمريكية في النصف الاول للثمانينات قد بلغت مرحله متقدمة في الانسجام والتناغم مع المشير نميري حيث كان الكونغرس الأمريكي تلقائيا يقوم بتجديد برتكول القمح السنوي الأمريكي للسودان ، فضلا عن العلاقات الاقتصاديه المتنامية عبر المجلس الاقتصادي الأمريكي المشترك والمسائل المتعلقة بتطوير حقول النفط السودانيه اضافة للمجالات العسكرية والامنية في ظل التحديات الاستراتيجية التي تجابه السودان
نشطت كذلك برامج العون الفني في مجال التدريب وبناء القدرات .

●مع بداية العام 1984 انتهت فترة عمل السفير الأمريكي هيوم الكسندرهوران بالسودان وحل محله السفير وليام كونتس حيث بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تطرح اخطر واكبر مشروعاتها الاستراتيجية بالسودان وذات الأثر المباشر علي مجمل الاوضاع الجيوستراتيجية ليس علي السودان فحسب بل علي الاوضاع الشرق اوسطيه والافريقيه بصورة اساسيه والتي كانت السبب الرئيس في اقدام الولايات المتحدة الأمريكية للإطاحه بحكم حليفها المشير جعفر نميري بعد ان عجز نميري عن التقدير السليم للمصلحة العليا للشعب السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى