خالدة ود المدني تكتب: من البرهان إلى إدريس.. من يحسم قرار الاستيراد في السودان؟

رفع حظر الاستيراد يفتح أسئلة التنسيق بين مؤسسات الدولة، ومصالح السوق، وما إذا كان المواطن سيجني ثمار القرار

في بلد أنهكته الحرب، وأثقلت الأزمات المعيشية كاهل مواطنيه، قد يبدو رفع حظر الاستيراد خبرًا يستحق الترحيب، أملًا في عودة السلع وانخفاض الأسعار. لكن خلف هذا الخبر سؤال أكبر من قائمة السلع المحظورة والمسموح بها: من يملك القرار في الدولة، وكيف تتكامل مؤسساتها في اتخاذه وتنفيذه؟
قد يجد المواطن نفسه أمام توجيه يصدر من جهة، وقرار سابق صادر عن جهة أخرى، وغرفة للمستوردين ترحب بتوجيه رفع الحظر، لكنها تطالب رئيس الوزراء كامل إدريس بإصدار قرار رسمي وصريح بإلغاء الحظر السابق، حتى يصبح التنفيذ واضحًا ولا يظل رهينًا لتعدد التفسيرات.
وبينما ينشغل الناس بما إذا كانت السلع ستتوفر والأسعار ستنخفض، قد تغيب عنهم أسئلة جوهرية: لماذا صدر التوجيه الجديد من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، بينما صدر القرار الأول عن رئيس الوزراء؟ ولماذا لا يزال الإلغاء الرسمي مطلوبًا؟ وما الذي يكشفه ذلك عن التنسيق بين مؤسسات الدولة؟.
من قرار الحظر إلى توجيه رفعه.
في أبريل 2026، أقرت الحكومة قيودًا على استيراد مجموعة من السلع، مبررة ذلك بترشيد استخدام النقد الأجنبي، وتقليل الضغط على سعر الصرف، وحماية الإنتاج المحلي. لكن القائمة شملت، وفق تقارير صحفية، سلعًا استهلاكية ومواد خام ومدخلات إنتاج، ما أثار تساؤلات عن مدى توافق الحظر مع احتياجات المصانع والأسواق.
وفي أكتوبر، جاءت توجيهات البرهان برفع الحظر عن السلع وإعفاء بعض السلع الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية. ورحبت غرفة المستوردين بالتوجه، لكنها طالبت بإلغاء القرار السابق رسميًا من قبل إدريس، لتفادي التضارب في التفسيرات والإجراءات.
هنا يبرز السؤال: إذا كانت الدولة قد رأت في الحظر ضرورة اقتصادية عند إقراره، فما الذي تغير حتى أصبح رفعه مطلوبًا؟ وهل جاء التراجع بعد تقييم لنتائج القرار، أم استجابة لشكاوى السوق وآثار القيود على الأسعار وتوافر السلع؟
لا تكفي المعلومات المتاحة للجزم بوجود خلاف داخل الحكومة؛ فقد يكون الأمر متعلقًا بتوزيع الأدوار بين القيادة السياسية والجهاز التنفيذي. لكن اختلاف مسار الإعلان يبرر التساؤل عن آلية التنسيق، وعن سبب عدم صدور إجراء تنفيذي واضح يحسم مصير القرار السابق ويحدد موعد بدء تطبيق التوجيه الجديد.
فالتوجيه السياسي، مهما كانت أهميته، لا يغني عن وضوح الإجراءات التي تنفذه. والمواطن لا ينبغي أن يبقى معلقًا بين قرار سابق وتوجيه لاحق، ينتظر معرفة أيهما سيحكم واقع السوق.
هل حقق الحظر أهدافه؟
لا تُقاس السياسات الاقتصادية بالنوايا المعلنة، بل بنتائجها. فتقييد الاستيراد قد يقلل الطلب على النقد الأجنبي إذا توافرت بدائل محلية كافية وبأسعار مناسبة، لكنه قد يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار إذا لم يكن الإنتاج المحلي قادرًا على تلبية الطلب.
وتزداد المشكلة حين يشمل الحظر مدخلات الإنتاج؛ فكيف نحمي المصانع المحلية بينما نحرم بعضها من المواد الخام التي تحتاج إليها لاستمرار العمل؟ إن حماية المنتج الوطني لا تتحقق بمجرد إغلاق السوق أمام المنافس الأجنبي، بل بتوفير الطاقة والتمويل والمواد الخام، وتحسين النقل والإجراءات، وتمكين المنتج المحلي من المنافسة.
وقد حذرت غرفة المستوردين من أن القيود قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتهريب وتراجع الإيرادات الجمركية. وهذه تقديرات منسوبة إلى الغرفة، تحتاج إلى مقارنتها ببيانات مستقلة عن الأسعار والواردات والإيرادات قبل اعتمادها حكمًا نهائيًا على نتائج الحظر.
والسؤال الذي يستحق الإجابة: هل سبقت القرار دراسة دقيقة لحجم الإنتاج المحلي واحتياجات المصانع وأثر الحظر على الأسواق؟ وهل جرى تقييم نتائجه قبل الانتقال إلى رفعه؟

من المستفيد من استمرار الحظر أو رفعه؟
تفتح القضية أيضًا باب المصالح الاقتصادية. فقد يؤدي تقييد الاستيراد في بعض الأسواق إلى تقليص المنافسة ونقص المعروض، بما قد يمنح أصحاب المخزون أو المستفيدين من الاستثناءات فرصًا أكبر. وفي المقابل، قد تتضرر مصانع محلية تعتمد على المواد الخام المستوردة، بينما قد يستفيد منتجون آخرون من تراجع المنافسة الخارجية.
أما رفع الحظر، فقد يوسع فرص المستوردين ويزيد المنافسة وتنوع السلع، لكنه لا يعني أن جميع المستوردين أو المنتجين يتشاركون المصلحة نفسها.
ومن المهم هنا أن الموقف المعلن لغرفة المستوردين هو الترحيب برفع الحظر والمطالبة بإلغائه رسميًا، لا رفض رفعه. ومع ذلك، يظل من المشروع التساؤل عما إذا كانت فترة القيود قد أوجدت فرصًا غير متكافئة في السوق، ومن استفاد من الاستثناءات أو نقص المعروض، إن وُجد ذلك.
الإجابة لا تكون بالافتراض أو الاتهام، بل بفحص بيانات الاستثناءات، وحركة الأسعار، وحجم المخزون، وعدد المستوردين، ومدى توافر البدائل المحلية. فشفافية هذه البيانات تحمي السوق من الاحتكار، وتمنع تحول السياسات العامة إلى فرص امتياز لفئات محددة.

ماذا سيكسب المواطن؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للقرار. فقد يؤدي رفع الحظر إلى زيادة المعروض، وتحسين المنافسة، وتوفير مدخلات الإنتاج، وربما خفض تكلفة بعض السلع. كما أن إعفاء المواد الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية قد يقلل تكلفة استيرادها.
لكن هذه النتائج ليست تلقائية؛ فخفض الرسوم لا يضمن انخفاض سعر البيع ما لم ينعكس على المستهلك، وزيادة الواردات قد ترفع الطلب على النقد الأجنبي وتضغط على سعر الصرف. كما أن رفع الحظر وحده لا يعالج ضعف الإنتاج المحلي أو تكاليف النقل والتمويل.
لذلك، ينبغي أن تقاس نتائج القرار بتوافر السلع وأسعارها الفعلية، وتكلفة الإنتاج، وحركة المنافسة، ومدى انعكاس الإعفاءات على المستهلك. فالمواطن لا يحتاج إلى إعلان رفع الحظر بقدر حاجته إلى أن يرى أثره في سعر الغذاء، وتكلفة احتياجات الأسرة، وفرص العمل والإنتاج.
من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية؟
تتجاوز هذه القضية ملف الاستيراد إلى سؤال أوسع عن إدارة الدولة: حين يصدر قرار اقتصادي عن الحكومة، ثم يأتي توجيه لاحق برفعه من جهة أخرى، فمن المسؤول عن تفسير التغيير، واستكمال إجراءاته، وتقييم نتائجه؟
لا يكفي أن تعلن الدولة التراجع عن سياسة أو تعديلها؛ بل ينبغي أن توضح أسباب التغيير، وما أُلغي تحديدًا، ومتى يبدأ التنفيذ، وكيف ستراقب الأسعار وتمنع الاحتكار. فوضوح المسؤولية لا يقل أهمية عن القرار نفسه، والمراجعة الاقتصادية الرشيدة تقتضي الاعتراف بما تكشفه التجربة من قصور، إن ثبت، وتصحيح المسار بناءً على البيانات.
كما أن حماية الإنتاج المحلي هدف مشروع، لكنها لا تتحقق بالحظر وحده؛ بل ببناء قدرة إنتاجية تنافسية، وتوفير مستلزمات التشغيل، ومكافحة الاحتكار، وضمان تكافؤ الفرص في السوق.
إن قضية رفع حظر الاستيراد في السودان لا تتعلق فقط بمن يُسمح له بإدخال السلع، بل بكيفية اتخاذ القرار وتنفيذه، وبما إذا كانت السياسات الاقتصادية تخدم المصلحة العامة أم تترك المواطنين يدفعون كلفة الارتباك والتجريب.
فماذا تغيّر بين قرار الحظر وتوجيه رفعه؟ وهل تعلّمت الدولة من نتائج سياستها، أم اكتفت بتغيير القرار من دون توضيح الأسباب؟
في النهاية، ليست القضية أي مؤسسة أصدرت التوجيه، ولا من يملك الكلمة الأخيرة وحده؛ بل كيف تتكامل مؤسسات الدولة، وتُحدَّد المسؤوليات، وتُصان المنافسة، ويُحمى الإنتاج، وتُخفف الأعباء عن المواطن.
فالاقتصاد ليس قائمة سلع محظورة أو مسموح بها؛ إنه حياة الناس. وأي قرار اقتصادي لا يُقاس أثره بما يعلنه أصحابه، بل بما يتركه في حياة المواطنين.

↑
Exit mobile version