المندوب المقيم لصندوق النقد في السودان.. بين فرصة هيبك وفخ الوصاية المالية

المقدمة: ليست وظيفة.. بل تحول بنيوي

موافقة صندوق النقد الدولي على تخصيص مندوب متفرغ مقيم للسودان، المعلنة في بانكوك، ليست مجاملة دبلوماسية. في أدبيات الصندوق، المندوب المقيم لا يُمنح إلا لدولة في مفترق طرق: إما أنها على وشك الوصول لنقطة النهاية في مبادرة هيبك لإعفاء نحو 60 مليار دولار، أو أنها أصبحت ملفاً عالي المخاطر يستدعي الرقابة الميدانية اليومية.

السودان هو الحالتان معاً.

*أولاً: التشخيص الفني – ماذا يعني ResRep فعلياً؟*

في هيكل الصندوق، المندوب المقيم هو ثلاثة أدوار في شخص واحد: رقيب للبيانات، وحارس لبوابة هيبك، ومهندس لإعادة تشكيل المؤسسات.

مهمته المعلنة “تحديث وانتظام انسياب بيانات القطاعين النقدي وميزان المدفوعات” تعني عملياً انتقال المتابعة من واشنطن إلى الخرطوم ، وطلب يومي لخريطة الاحتياطي وحركة النقد والدين الخارجي. وطلبه إنشاء لجنة السياسات النقدية *MPC* ولجنة الاستقرار المالي *FSC* هو النموذج المعياري للصندوق لنزع القرار النقدي من الحكومة وجعله بيد لجنة “مستقلة”.

*ثانياً: المخاطر الثلاثة*

*1. الخطر الاستراتيجي:*
كما أن بقاء الميليشيا في الأحياء هو بقاء لجيب مسلح محتل داخل كيان الدولة، بقاء القرار النقدي مرهوناً بتقرير مندوب أجنبي هو بقاء لجيب مالي محتل داخل سيادة الدولة. الضغوط التي تمارس في مجلس الأمن حول الشرعية ستتحول إلى شروط فنية في ملف الاقتصاد.

*2. الخطر الاقتصادي:*
الصندوق يتعامل مع السودان كأنه في حالة استقرار، بينما السودان في حالة دفاع عن كيان الدولة. شروطه الكلاسيكية – وقف التمويل بالعجز وتوحيد سعر الصرف – إذا طُبقت حرفياً زمن الحرب، تعني خنق القدرة على الاستمرار.

*3. الخطر المالي:*
البيانات أصبحت سلاحاً. بند “تسمية نقاط تواصل” يعني أن أي تأخير في إرسال جدول سيعتبر خرقاً للشفافية ويعلق المراجعة.

*الخلاصة الاستراتيجية: السيادة لا تتجزأ*

الدرس الذي يجب أن نستوعبه من امتداد ناصر إلى بانكوك هو واحد: السيادة لا تتجزأ.

لا يمكن أن نطالب بفك ارتباط جغرافي يخرج الميليشيا من بيوت المواطنين، ونقبل في نفس الوقت بفك ارتباط مالي يخرج القرار النقدي من يد بنك السودان.

موافقة الصندوق على مندوب مقيم هي في جوهرها اعتراف دولي لا يمكن إنكاره بأن بنك السودان المركزي هو المؤسسة المالية الشرعية الوحيدة في السودان. الصندوق لا يخصص مندوباً لميليشيا ولا لعصابة منفى.

وهنا تكمن الفرصة الاستراتيجية الكبرى: هذه اللحظة هي التي يجب أن تتحول فيها الشرعية إلى قوة تفاوضية. السودان ليس طالب إحسان ينتظر رضا تقرير، بل دولة دافعت عن كيانها ودفعت ثمناً باهظاً وتستحق أن يُعامل ملفها كملف دولة صامدة، لا كملف دولة فاشلة.

إعفاء الديون ليس منحة فنية، بل استحقاق سياسي لدولة حافظت على مؤسساتها رغم حرب وجودية. وحماية القرار النقدي هي امتداد لحماية القرار العسكري. كلاهما دفاع عن كيان الدولة.

*وطن ومؤسسات…*
*السودان أولاً وأخيراً…*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا…*
*20/10/2026*

↑
Exit mobile version