الأعيسر وبوكس الدهابة الوجه الآخر ليوم في حياة وزير الإعلام.

الحاكم نيوز :

الحاكم نيوز :

بقلم: محمد مامون يوسف بدر

في بعض المواقف لا تحتاج إلى خطب طويلة أو بيانات رسمية لتتعرف على حقيقة الرجال ولا تحتاج إلى كاميرات أو عدسات مصورين لتكتشف الجانب الآخر من المسؤول. أحيانًا تكفي مصادفة في ساعة متأخرة من الليل على طريق شبه خالٍ، لتكشف لك ما لا تستطيع عشرات اللقاءات الرسمية أن تكشفه. تلك كانت حكايتي مع السيد وزير الإعلام، الأستاذ خالد الأعيسر في ليلة الجمعة الموافق 16 أكتوبر 2026، في شوارع الخرطوم.

وصلت مقرن النيلين وكنت في غاية السعادة بان تعود الي وطنك بعد ٧ سنوات في بلد الغرب .

في هذه الليلة ارسلت رساله نصية الي السيد الوزير خالد الاعيسر أخبرته باني في الخرطوم وكانت الساعة ٧ مساء وقلت له أنا ح اكون في اتجاه المنشية قرب البرج الابيض وهو معلم بارز .

وبعدها جلست احتسي الشاي بالحليب المقنن مع الزلابية في «الشروق شاي لبن » وهو مكان أحتل مكان (شاي أميرة ) الذي كان في العمارات.

الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلًا، وتوجهت الي شارع عبيد ختم قادم من المنشية كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة حين رن هاتفي وإذا بالمتصل هو السيد الوزير خالد الأعيسر.

سلام علي وقال لي حمدالله على السلامه ثم بادرني بالسؤال: «أين أنت؟ جئت لكي أسلّم عليك بعد رسالتك بانك في الخرطوم لكنني مستعجل وعندي اجتماع بعد ذلك».

نظرت إلى الساعة، فوجدتها الحادية عشرة ليلًا. أخبرته بأنني في شارع عبيد ختم كنت في المنشية ثم قلت له إنني سأتي اليك لكنني طلبت منه أن يمنحني سبع دقائق على أن أعود

إلى المكان نفسه. غير أنه قال لي إنه سينتظرني عند تقاطع شارع أوماك مع شارع الستين.

قلت له: «خلاص تمام».

تحركت مسرعًا وكانت أجزاء من شارع أوماك غارقة في الظلام. الحركة قليلة والمارة نادرون والسيارات التي تقطع الطريق في تلك الساعة تكاد تُعد على أصابع اليد. كان مشهدًا يعكس هدوءًا استثنائيًا لمدينة اعتادت أن تضج بالحركة لكن هذه الليلة كانت تخفي في تفاصيلها لقاءً لم أكن أتوقع أن يترك في نفسي كل هذا الأثر.

عندما وصلت إلى تقاطع أوماك مع شارع الستين اتصلت بالوزير وسألته: «يا سعادة الوزير، أين أنت؟ لا أرى عربة لاندكروزر متوقفة ».

أجابني بأن هناك بوكسًا متوقفًا على طرف الطريق في اتجاه مسجد السيدة سنهوري.

نظرت حولي فإذا بي أرى بوكسًا يشغّل إشارات التحذير المعروفة بالـ«هازرد»، فقلت له: «نعم، أرى بوكسًا يشغّل الإشارات».

قال: «نعم، هذا أنا».

أوقفت سيارتي ونزلت باتجاه البوكس، لأفاجأ بالسيد الوزير خالد الأعيسر يجلس خلف مقود السيارة، بمفرده لا يرافقه سائق ولا حرس ولا أي شخص آخر رجل يقود سيارته بنفسه في شوارع الخرطوم في ساعة متأخرة من الليل.

تأملت البوكس، ثم مازحته قائلًا: «لمن هذا البوكس؟ هل هو بوكس دهابة؟».

كنت أعني بذلك السيارات التي يستخدمها بعض تجار الذهب والتي تكون منخفضة نسبيًا وليست مرتفعة كالبكاسي ذات الصندوق العالي.

ضحك الوزير، ثم قال لي: «أخي محمد، أنا دائمًا أقود بنفسي بعد ساعات الدوام الرسمية إلا إذا دعت الضرورة إلى وجود سائق أو حرس أو كان هناك برنامج معين يستلزم ذلك. لكن هذه هي طبيعتي دائمًا».

كانت إجابة بسيطة لكنها فتحت أمامي بابًا للتأمل في صورة المسؤول بعيدًا عن المكاتب الرسمية والمواكب والمظاهر البروتوكولية.

ركبت معه في «بوكس الدهابة»، فإذا بي أكتشف أن المركبة ليست مجرد وسيلة انتقال بل تبدو وكأنها مكتب متحرك أوراق ومجلدات وأدوات عمل تعكس انشغال صاحبها بمهامه حتى خارج ساعات الدوام. سألته مازحًا إن كان يعمل ليلًا أيضًا فضحك وأوضح لي أنه يتابع ملفات أربع وزارات الأمر الذي يجعل يومه ممتدًا ومسؤولياته متشعبة ووقته محدودًا.

تجاذبنا أطراف الحديث، وخلال اللقاء قدّم لي حصاد وزارة الإعلام الذي جرى إعداده وطباعته في مجلد، بما يتيح الاطلاع على ما أُنجز من أعمال الوزارة.

غادرت منه عند الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً، وقلت له: «ربنا يعينك ويقويك».

لكنني وأنا أغادر المكان لم أستطع منع نفسي من التفكير في دلالات ذلك المشهد.

إن الوطنية ليست شعارًا يُرفع ولا كلمات تُقال أمام الكاميرات كما أن المسؤولية العامة ليست امتيازًا اجتماعيًا أو مظهرًا من مظاهر الوجاهة. إنها في جوهرها، تكليف يحتاج إلى الصبر والانضباط والشعور بثقل الأمانة. وقد يختلف الناس في تقييم أداء أي مسؤول ومن حقهم أن يسألوا وينتقدوا ويحاسبوا، لكن من الإنصاف أيضًا أن تُروى الوقائع كما حدثت بعيدًا عن المبالغة والمجاملة والتجريح.

لم أكتب هذه السطور لأمنح الوزير صكًا بالنجاح ولا لأدّعي أن موقفًا واحدًا يكفي للحكم على أداء مؤسسة أو مسؤول. إنما أكتبها لأن من حق الناس أن يعرفوا الوجه الآخر للحياة اليومية للمسؤولين وأن يميزوا بين الوقائع التي شاهدوها والأحكام التي يبنونها عليها.

ذلك كان جانبًا من يوم في حياة وزير الإعلام بالخرطوم لقاء عابر في ظاهره، لكنه حمل رسالة في معناه: أن العمل العام مسؤولية وأن التجرد يبدأ حين يؤدي الإنسان واجبه بعيدًا عن الأضواء.

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى