
في أسبوع واحد، وفي مدينة واحدة هي بانكوك، تبلورت مسارات متناقضة لمستقبل التمويل السوداني، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي.
في قاعة الحوار الوزاري لمجموعة الدول الهشة مناخياً V20، يقف وزير المالية د. جبريل إبراهيم مطالباً بإصلاح منظومة التمويل والانتقال من التعهدات إلى التنفيذ. وفي قاعة مجاورة، يجتمع نائب أول محافظ بنك السودان المركزي السيد المعتصم عبد الله الفكي مع مجموعة بنك التنمية الإفريقي لبحث مبادرة إفريقية طوعية لتعبئة 20 مليار دولار خلال أربع سنوات.
تتضمن المبادرة وفقاً لبيان البنك المركزي، استثمار البنوك المركزية الإفريقية في أدوات مالية عالية التصنيف ورأس مال هجين، وتوفير ترتيبات سيولة بالعملات المحلية، وتقديم خدمات فنية واستشارية في إدارة الاحتياطيات والخزينة.
وبينما كانت واشنطن في ذات اليوم 13 أكتوبر تقدم مشروع القانون H.R.10795 المعروف بـ Sudan IMPACT Act، كانت بانكوك تقدم بديلاً إفريقياً. فما المفهوم الاستراتيجي لهذه المشاركة؟
*أولاً: المفهوم السيادي للجدوى*
إن جدوى المشاركة لا تقاس بمنطق العائد المالي المباشر، بل بمنطق التموضع الاستراتيجي.
فمسار واشنطن في قانون IMPACT Act الذي قدمه النائب جيم بيرد، يقوم على فلسفة المقايضة المشروطة: تقديم معدات زراعية وتقنيات تعدين ومسح جيولوجي مقابل موارد طبيعية سودانية تشمل الذهب واليورانيوم والكروم والنحاس والصمغ العربي، وربط ذلك بتقييم سياسي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية حول التقدم في حماية المدنيين والاستقرار السياسي.
أما مسار بانكوك الإفريقي فيقوم على فلسفة مغايرة تماماً: مبادرة طوعية، تضامن بنوك مركزية، أدوات مالية بتصنيف AAA، وسيولة بالعملات المحلية بمعزل عن هيمنة الدولار.
والفارق بين الفلسفتين هو جوهر السيادة: واشنطن تطرح وصاية اقتصادية بلباس استثمار، وإفريقيا تطرح شراكة تضامنية بلا شروط سياسية.
وقد كان بيان بنك السودان المركزي دقيقاً ورصيناً حين أكد “دراسة الاستفادة من هذه المقترحات والتعاون الفني بما يخدم أولويات الاقتصاد الوطني”. فالمشاركة ليست التزاماً بدفع 20 مليار لا يملكها السودان، بل هي دراسة لكيفية سحب حصة من الـ 20 مليار التي ستعبئها البنوك المركزية الكبرى في القارة كسيولة وخدمات فنية.
*ثانياً: المفهوم الاحتياطي – تسييل المجمد*
إن احتياطيات السودان الخارجية في ظل الحرب الوجودية و العقوبات الكذوبة التي فرضت في يوليو 2026، هي احتياطيات مجمدة وشبه معزولة عن النظام المالي الدولي، وغير قادرة على النفاذ إلى أدوات الخزانة الأمريكية.
وهنا تكمن القيمة المضافة للمبادرة الإفريقية، فهي لا تهدف إلى زيادة رقم الاحتياطي، بل إلى جعله قابلاً للحياة عبر ثلاث آليات:
الأولى، تحويل الذهب من سلعة خام تباع في الأسواق الخارجية إلى رأس مال هجين يودع لدى بنك التنمية الإفريقي ذي التصنيف الائتماني الممتاز، ليستخدم كضمان ائتماني للحصول على سيولة.
الثانية، تنويع سلة الاحتياطي من ثنائية الذهب والدولار إلى سلة عملات إفريقية، مما يقلل من مخاطر التعرض لعقوبات كذوبة.
الثالثة، تحويل احتياطي غير قابل للاستخدام إلى أداة قابلة للرهن والاقتراض في إطار إفريقي.
*ثالثاً: المفهوم المصرفي – السيولة بالعملات المحلية*
يعاني القطاع المصرفي السوداني اليوم من تحديات بنيوية عميقة: انقسام جغرافي في العمليات المصرفية، وشح حاد في السيولة بالعملتين المحلية والأجنبية، وانقطاع في آليات المقاصة الدولية.
وتقدم المبادرة الإفريقية في هذا السياق حلين استراتيجيين:
الحل الأول هو ترتيبات السيولة بالعملات المحلية، وهي الأداة الأكثر أهمية في الظرف الراهن. فالمقصود هو إبرام اتفاقيات مقايضة ثنائية بين بنك السودان المركزي ونظرائه في مصر وكينيا وإثيوبيا، يتم بموجبها تبادل الجنيه السوداني مقابل الجنيه المصري أو الشلن الكيني لتسهيل تمويل التجارة البينية في السلع الأساسية من غذاء ودواء ووقود، دون المرور عبر الدولار الأمريكي ونظام SWIFT الخاضع لعقوبات كذوبة. وهذا المسار وحده كفيل بتخفيض الضغط على الطلب على الدولار.
أما الحل الثاني فيتمثل في التعاون الفني في مجالات الخزينة وإدارة الاحتياطيات والأصول. فتجارب بنوك مركزية إفريقية مثل رواندا وإثيوبيا في إدارة السياسة النقدية وقت النزاعات، تمثل رصيداً معرفياً يحتاجه السودان لإعادة بناء نظام مدفوعاته وتتبع موارده.
*رابعاً: تحديات المفهوم – قراءة بلا مجاملة*
إن أي قراءة استراتيجية موضوعية تقتضي استعراض التحديات:
أولاً، تحدي التصنيف الائتماني، فالسودان مصنف كدولة متعثرة، بينما تتطلب أدوات AAA حداً أدنى من الملاءة قد يستلزم ضمانات إضافية.
ثانياً، تحدي العقوبات الكذوبة، فحتى المسارات الإفريقية تمر عبر أنظمة مالية دولية قد تصطدم بتراخيص مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، مما يتطلب ضمان مسار معفى من بنك التنمية الإفريقي.
ثالثاً، تحدي التمثيل المؤسسي، اعتراف بنك التنمية الإفريقي ببنك السودان المركزي كممثل شرعي وحيد هو مسألة سياسية وجودية تسبق المسألة الفنية.
رابعاً، تحدي القدرات البشرية في ظل هجرة الكفاءات المصرفية خلال الحرب.
*الخلاصة الاستراتيجية:*
إن ما يجري في بانكوك ليس اجتماعاً بروتوكولياً، بل هو مناورة مالية استراتيجية. ففي واشنطن تعرض جزرة مشروطة قوامها تكنولوجيا مقابل موارد بوصاية سياسية، وفي بانكوك تعرض مظلة طوعية قوامها 20 مليار إفريقية بعملات محلية وخبرات ذاتية.
ومن يكتب شروطه في بانكوك، لا تفرض عليه شروط في واشنطن.
*وطن و مؤسسات…*
*السودان أولاً وأخيراً…*
*د. عبدالعزيز الزبير باشا*
*16/10/2026*


