
بقلم : د. أسامة العمري
الحلقة الثالثة
القوة الحقيقية في العلاقات الدولية ليست في كثرة الحلفاء، ولا في رفع سقف العداء، وإنما في معرفة المصالح وحسن إدارتها.
السودان يحتاج إلى الولايات المتحدة، لكنه يحتاج كذلك إلى علاقات متوازنة مع محيطه العربي والأفريقي والدولي.
لذلك لا ينبغي أن تكون الشراكة مع واشنطن على حساب علاقات السودان الأخرى، كما لا ينبغي أن تتحول علاقاته مع قوى أخرى إلى سبب للقطيعة مع الولايات المتحدة.
المعادلة الصحيحة هي تنويع الشراكات وتعظيم المصالح الوطنية.
فالسودان يستطيع أن يتعاون مع الولايات المتحدة في الاقتصاد والسلام والتعليم والتكنولوجيا وأمن البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه يحافظ على علاقاته مع الدول العربية والأفريقية والآسيوية وغيرها.
التوازن لا يعني الوقوف في المنتصف
التوازن في السياسة الخارجية لا يعني أن يقف السودان بين القوى المتنافسة دون موقف.
بل يعني أن يمتلك قرارًا وطنيًا مستقلًا، يعرف مصالحه، ويستطيع التعامل مع الجميع وفق هذه المصالح.
ولا تعني السيادة رفض الشراكات، كما أن الشراكات لا تعني التنازل عن السيادة.
المطلوب علاقة واضحة تقوم على:
المصلحة الوطنية، والسيادة، والاحترام المتبادل، والشفافية، وتكافؤ المصالح، وعدم التبعية، واستمرارية المؤسسات، وإدارة الاختلاف بالحوار.
كما ينبغي أن تكون العلاقة طويلة المدى، لا رهينة بتغير الحكومات أو الظروف السياسية.
فالعلاقات الاستراتيجية لا تُبنى خلال دورة حكومية واحدة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحفظ ما تم إنجازه، وتراجع الأخطاء، وتواصل ما يخدم المصلحة الوطنية.
السودان ومحيطه.. لماذا تتجاوز المسألة حدود البلدين؟
استقرار السودان لا ينفصل عن استقرار محيطه.
فالحرب أو الفوضى في السودان يمكن أن تؤثر في مصر وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، كما أن التطورات في هذه المناطق تنعكس بدورها على السودان.
ومن هنا فإن استقرار السودان يمثل مصلحة تتجاوز حدوده، كما أن استقراره يمكن أن يفتح المجال أمام تعاون إقليمي أوسع في التجارة والطاقة والزراعة والأمن والملاحة.
ولهذا فإن العلاقة السودانية–الأمريكية، إذا أُعيد بناؤها بصورة متوازنة، يمكن ألا تكون مصلحة ثنائية فقط، بل جزءًا من مشروع أوسع للاستقرار الإقليمي والتنمية.
من دولة تُدار أزماتها إلى دولة تدير مصالحها
السودان لا يحتاج إلى علاقة مع الولايات المتحدة بأي ثمن، كما لا يحتاج إلى مواجهة معها بأي ثمن.
إنه يحتاج إلى علاقة تعرف فيها كل دولة مصالحها، وتحترم كل دولة سيادة الأخرى، ويجد الطرفان مساحة واسعة للتعاون دون إلغاء مساحة الاختلاف.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى سودان مستقر وفاعل في منطقة استراتيجية، والسودان يحتاج إلى شراكة أمريكية تساعده على بناء السلام والدولة والاقتصاد.
والمطلوب ليس أن يصبح السودان تابعًا لقوة دولية، ولا أن يعزل نفسه عنها.
المطلوب أن يعرف السودان قيمة موقعه وإمكاناته، وأن يحسن إدارة علاقاته مع العالم.
ومن هنا، فإن إنشاء المجلس الأعلى للعلاقات السودانية–الأمريكية ليس غاية في ذاته، وإنما يمكن أن يكون أداة لتنظيم هذه الرؤية وتحويلها إلى سياسة ومشروعات وشراكات قابلة للقياس.
فالهدف النهائي ليس مجرد تحسين العلاقات.
الهدف أن ينتقل السودان من دولة تُدار أزماتها من الخارج… إلى دولة تدير مصالحها مع العالم.
وهذه، في جوهرها، هي الشراكة التي ينبغي أن تُبنى بين السودان والولايات المتحدة:
لا تبعية ولا قطيعة… وإنما مصالح متبادلة، وسيادة محترمة، وشراكة تصنع المستقبل.



