
لقد كان هيوي لونغ حاكم اريزونا وعضو مجلس الشيوخ بارعاً جداً في استغلال عواطف الفئات المسحوقة في لويزيانا بعد الكساد الكبير، وطرح شعاراً هتافياً بسيطاً ودغدغ به المشاعر: “كل رجل ملك” (Every Man a King)، واعداً بتقسيم حرفي وميكانيكي للثروات ، وافتقر طرحه تماماً لصرامة المنهج ورصانة التفكير الاقتصادي والبنيوي. فلم يكن يهدف لبناء مؤسسات مستدامة أو تعزيز الإنتاجية، بل كان “أداة سياسية شعبوية ” لانتزاع الولاء المطلق وحشد الجماهير ضد المركز (واشنطن والشركات الكبرى)، تماماً كما يفعل قادة التمرد والجهويات عندما يرفعون شعار “تقسيم الثروة والسلطة” لتعبئة العوام عاطفياً على قواطع وثغرات جهوية وثقافية، دون أن يمتلكوا أي رؤية حقيقية لإدارة دولة أو بناء مؤسسات تنموية مستدامة .
أما بالنسبة لتقسيم السلطة فقد تحولت العبارة لمفهوم سياسي منتصف القرن العشرين لوصف “الديمقراطية التوافقية” (consociational democracy ) ، كإطار للحكم صُمم لإدارة الانقسامات العميقة -سواء كانت عرقية أو دينية أو سياسية. وقد اكتسب المفهوم أهمية عالمية من خلال تحولات تاريخية كبرى، منها أيرلندا الشمالية ، عندما أصبح المصطلح محورياً في تسوية الصراع المعروف بـ “الاضطرابات” (The Troubles)، وتوّج ذلك بـ “اتفاق الجمعة العظيمة” عام 1998، الذي أقرّ قانونياً تشكيل سلطة تنفيذية قائمة على تقاسم السلطة بين الوحدويين والقوميين. وفي جنوب أفريقيا ، وخلال مفاوضات أوائل التسعينيات لإنهاء نظام الفصل العنصري، استُخدم المفهوم على نطاق واسع لوصف حكومة ائتلافية انتقالية تضمن حقوق الأقليات بالتزامن مع إرساء حكم ديمقراطي قائم على حكم الأغلبية . وفي ذات الوقت استخدم مصطلح تقسيم السلطة لتوصيف الإئتلافات بين الأحزاب الكبرى لتشكيل الحكومات .
ويتضح جلياً من تلك المفارقة التأريخية أن المصطلح لم يتخلق كلحمة واحدة ، كما أنه لم يتشكل خلال حقبة تاريخية واحدة ، بل أنه محض أمشاجٍ ، تفتقد التزامن والبيئة والأهداف .
من هنا فإن الثابت أن تحويل مصطلح “تقسيم السلطة والثروة” لمسلمةٍ في السودان ، تُداخِل كل جهد للتسوية مع حركة متمردة ضد الدولة ، أدي لتحويل الدولة إلى “غنيمة” تحكمها محاصصة مخلة لصالح المتمردين .
كما أن الشعار يعيد صياغة مفهوم الدولة من “مشروع بناء ومواطنة وتنمية” إلى “كعكة أو غنيمة” يتم اقتسامها آلياً بين النخب المسلحة والمركز ، وأدى ذلك الفهم الصِفري إلى إفراغ الدولة من مضامينها المؤسسية والقانونية ، بحيث تحولت الاتفاقيات السياسية إلى “عقود إذعان مؤقتة” لتسوية أوضاع المقاتلين وقادتهم ، ومنح الإقليم المنتج للتمرد حق ابتزاز بقية الأقاليم ، وادعاء الأحقية في مواردها عنوة ، دون حدوث أي تنزيل حقيقي للتنمية في القواعد والاطراف المجتمعية للإقليم محل التمرد .
على صعيد آخر قاد ذلك لمأسسة الانقسام والابتزاز على أسس ثقافية
بحيث ظل المتمردون يستخدمون “المغاضبات الجهوية” والخصوصيات الثقافية كأدوات ضغط لانتزاع مكاسب سياسية ومناصب دستورية عبر الابتزاز المستمر للدولة المركزية . هذا المسلك لم يردم الفجوة بين المركز والهامش، بل قام بـ “مأسسة الانقسام” وجعل الهويات الإثنية والجهوية أولى من التعامل الحصيف مع “قطرية” الدولية التي تجافي التوصيف الظرفي للدولة الحديثة التي تخلقت في ضاحية “ويستفاليا” قبل ما يقارب اربعمائة عام .
إن الميكانيكية الجافة لـ “تقسيم الثروة والسلطة” ألغت بالكامل الحاجة لبناء عقد اجتماعي حقيقي يعتمد على المواطنة والتكامل الاقتصادي والتاريخي. وكما أشرتَ سابقاً، فإن تهميش “السلطان التقليدي والإدارة الأهلية” -وهي البنية العضوية القادرة على صياغة المشترك بين المكونات القبلية والجهوية في الأطراف- ترك المجال مفتوحاً لسيادة بندقية المتمردين لتمثيل هذه المناطق ، فغاب الحكماء وحضرت آلات الهدم .
وتكمن خطورة ذلك المفهوم وتمدده كالثقب في الجسد السوداني، كونه تعامل مع الاقتصاد باعتباره “كتلة استاتيكية جامدة ومحدودة” يجب فقط اقتسامها وإعادة توزيعها، بدلاً من كونه عملية ديناميكية تقوم على الإنتاج والتنمية وإتاحة الفرص وتوسيع المواعين الاقتصادية. وتعامل مع السلطة على أنها المجد الشخصي أو المناطقي ، عوضاً عن كونها أداة لإدارة البلاد عبر الأهلية العلمية والكفاءة والنزاهة لتحقيق أمن ورفاه الإنسان ، والحفاظ على المصالح القومية العليا والأمن القومي للبلاد .
وفي السودان تسبب هذا الانقياد الأعمى للمصطلح في مأزق مأساوي ، حيث تبارت النخب والمتمردون على “طريقة قسمة الكعكة” واختزال الدولة في المحاصصات، بينما كانت الكعكة نفسها (موارد الدولة واقتصادها وحقول إنتاجها) تتآكل وتتحطم لغياب الرؤية الوطنية المؤسسية المرنة والبناء على المشترك ، عبر البنيات الاجتماعية الفاعلة.



