أخر الأخبار

من أجل من يموت شباب السودان؟ ولماذا كل هذه المليشيات؟

 

بقلم الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل.

أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه السودان بعد كل ما دفعه من دم ودمار هو أن يحاول إنهاء المليشيات بإنتاج مليشيات جديدة. فالدولة التي تواجه السلاح بالسلاح، ثم تعيد إنتاج القوة المسلحة خارج مؤسساتها كلما تغيرت موازين الصراع، لا تنهي الأزمة؛ إنها تؤجلها وتوسع نطاقها، وتمنح الحرب قدرة جديدة على البقاء. وما يبدو في لحظة معينة حلاً أمنياً قد يتحول بعد سنوات إلى أحد أسباب انهيار الدولة نفسها.

لهذا فإن السؤال الحقيقي في السودان اليوم ليس فقط: كيف يمكن هزيمة هذه القوة المسلحة أو تلك؟ بل كيف يمكن إنهاء البيئة السياسية والمؤسسية التي جعلت إنتاج القوى المسلحة خياراً متكرراً في تاريخ البلاد؟ فالمشكلة لا تكمن في أسماء المليشيات وحدها، ولا في شعاراتها، ولا في الجهات التي تتغير تحالفاتها معها، وإنما في منظومة أوسع تسمح بأن يصبح السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة، أو حماية النفوذ، أو السيطرة على الموارد، أو فرض أمر واقع على المجتمع.

وهنا تكمن المفارقة السودانية الأكثر خطورة: الدولة التي يفترض أن تحتكر الاستخدام المشروع للقوة قد تتحول، في بعض المراحل، إلى بيئة لإنتاج قوى مسلحة موازية لها. تُنشأ تشكيلات لمواجهة خطر محدد، أو يُستعان بقوى اجتماعية مسلحة لحسم معركة، أو يُفتح الباب أمام تعبئة شعبية ذات طابع عسكري، ثم تتوسع هذه التشكيلات وتكتسب مصالحها الخاصة، وتتحول من أدوات مؤقتة إلى مراكز قوة يصعب التحكم فيها. وعندما يتغير ميزان السياسة، يجد المجتمع نفسه أمام قوى متعددة تحمل السلاح باسم الدولة أو باسم المجتمع أو باسم حماية الوطن، بينما تتآكل الحدود بين المؤسسة الرسمية والقوة الموازية.

هذه ليست مشكلة عسكرية فحسب؛ إنها أزمة في مفهوم الدولة. فحين يصبح امتلاك السلاح طريقاً إلى الاعتراف السياسي، وحين يصبح القتال وسيلة للحصول على موقع في مؤسسات الدولة، وحين تصبح القوة المسلحة ورقة تفاوض للحصول على السلطة والثروة، فإن الدولة ترسل إلى المجتمع رسالة شديدة الخطورة: من يريد أن يكون له مكان في المستقبل عليه أن يمتلك القوة أولاً.

والنتيجة أن أجيالاً كاملة من السودانيين تُدفع إلى دائرة لا تنتهي من التجنيد والحرب والموت. يصبح الشاب الذي كان ينبغي أن يكون طالباً أو مهندساً أو طبيباً أو مزارعاً أو معلماً مقاتلاً في حرب لم يقرر أهدافها، وقد يجد نفسه مضطراً إلى الانضمام إلى إحدى القوى المسلحة لا اقتناعاً بها، وإنما لأن غياب الدولة ترك أمامه خيارات محدودة. وهكذا تتحول الحرب من حدث سياسي إلى نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه.

لهذا لا يمكن أن يكون الحل في إنشاء قوة مسلحة جديدة لمواجهة قوة مسلحة قائمة. ولا يمكن أن نقبل، تحت أي مبرر، أن تكون الإجابة على خطر المليشيات هي مزيد من المليشيات. إن تغيير الاسم أو الشعار أو الجهة التي تتلقى السلاح لا يغير طبيعة المشكلة. المليشيا التي تُنشأ اليوم لمواجهة خصم قد تصبح غداً خصماً جديداً للدولة نفسها، وقد يجد السودان بعد سنوات نفسه أمام طبقة جديدة من القوى المسلحة التي تمتلك مصالحها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

إن رفض المليشيات ليس موقفاً ضد جماعة بعينها، ولا دفاعاً عن قوة مسلحة على حساب أخرى. إنه مبدأ يتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها. لا ينبغي لأي جهة، أياً كان موقعها أو خطابها أو مبرراتها، أن تمتلك حق إنشاء قوة مسلحة خارج البناء الوطني الموحد. ولا ينبغي أن يصبح المواطن السوداني مادة للتعبئة العسكرية كلما دخلت النخب في صراع جديد على السلطة.

لكن إنهاء المليشيات لا يمكن أن يتحقق بمجرد إصدار قرار بحلها. فالظاهرة أعمق من ذلك. وإذا كانت المليشيات نتيجة لخلل في بنية الدولة، فإن معالجة النتيجة من دون إصلاح السبب ستعيد إنتاجها بأشكال مختلفة. ولذلك فإن السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة وجذرية للمؤسسات الأمنية والعسكرية، لا إلى عملية تجميل مؤسسي أو إعادة توزيع للمناصب والرتب.

الإصلاح المطلوب يجب أن يعيد تعريف وظيفة القوة المسلحة داخل الدولة. الجيش والأجهزة الأمنية ليست مؤسسات للحكم، وليست بديلاً عن السياسة، وليست وصياً على المجتمع، وليست مالكاً للدولة أو مواردها. وظيفتها الأساسية هي حماية الدولة والمواطنين في إطار الدستور والقانون، وتحت سلطة مؤسسات مدنية شرعية، وبموجب قواعد واضحة للمساءلة والرقابة.

وهذا الإصلاح لا يمكن أن يكون صفقة بين مجموعة من القيادات المسلحة والسياسية. إنه قضية وطنية تتعلق بكل سوداني، ولذلك يجب أن يقوم على عملية سودانية واسعة تشارك فيها مختلف مكونات المجتمع، وأن يحظى بتوافق وطني حقيقي، وأن يستند إلى خبرات وطنية ومعايير وطنية واضحة، مع الاستفادة من التجارب الدولية في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية مهنية خاضعة للسلطة المدنية والقانون.

فالمؤسسة الأمنية التي يعيد تشكيلها عدد محدود من أصحاب القوة ستظل أسيرة منطق القوة. أما المؤسسة التي يعاد بناؤها بإرادة وطنية واسعة، وفق قواعد دستورية وقانونية ومهنية واضحة، فيمكن أن تتحول إلى مؤسسة عامة تخدم الدولة بدلاً من أن تتحول الدولة إلى أداة لخدمتها.

وهنا يجب أن يتغير مفهوم العلاقة بين الشعب والمؤسسة الأمنية تغييراً جذرياً. الأجهزة الأمنية والعسكرية ليست فوق المجتمع، والشعب ليس موضوعاً للوصاية الأمنية. الشرعية لا تنتقل من الشعب إلى المؤسسة بمجرد أن تحمل المؤسسة السلاح. بل العكس هو الصحيح: المؤسسات تستمد مشروعيتها من الدولة الدستورية ومن وظيفتها في حماية المواطنين، وتظل خاضعة للرقابة والمساءلة باسم المجتمع الذي وجدت لحمايته.

لا يمكن أن يستمر السودان في نموذج تصبح فيه المؤسسات الأمنية سلماً للصعود إلى السلطة أو وسيلة للسيطرة على الموارد العامة. ولا يمكن أن تكون الأجهزة التي يفترض أن تحمي الدولة قادرة في الوقت نفسه على بناء مراكز قوة اقتصادية وسياسية مستقلة عن الرقابة العامة. فحين تجتمع القوة المسلحة والموارد الاقتصادية والنفوذ السياسي في يد مؤسسة أو مجموعة محدودة، يصبح خطر الدولة الموازية أكبر من خطر أي مليشيا منفردة.

ولهذا فإن الإصلاح الأمني والعسكري يجب أن يترافق مع إصلاح اقتصادي ومؤسسي يعيد الموارد العامة إلى المجال العام، ويضمن خضوعها للشفافية والمساءلة، ويمنع تحويل مؤسسات الدولة إلى شبكات مصالح مغلقة. فالحرب في السودان ليست مجرد صراع على الأرض؛ إنها أيضاً صراع على الموارد وعلى من يملك حق الوصول إليها ومن يملك القدرة على استخدامها في بناء النفوذ.

ولا ينبغي أن تتحول عملية إنهاء المليشيات إلى مكافأة لمن حمل السلاح. إن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يجب أن تكون عملية وطنية متكاملة تعيد المقاتلين إلى الحياة المدنية، وتوفر لهم التعليم والتدريب والعمل والفرص الاقتصادية، مع وضع معايير مهنية وقانونية صارمة لأي انتقال إلى المؤسسات النظامية. فالدولة التي تكافئ القوة المسلحة بموقع سياسي أو عسكري قد تعطي الحافز لجيل جديد كي يسلك الطريق نفسه.

الغاية ليست إدخال المليشيات إلى الدولة كما هي، وإنما إنهاء منطق المليشيا وبناء مؤسسة مختلفة تماماً. مؤسسة لا تمنح الرتبة لأن صاحبها كان أكثر قدرة على القتال، ولا تمنح النفوذ لأن صاحبه امتلك السلاح، وإنما تختار أفرادها وفق المواطنة والكفاءة والانضباط والمهنية والالتزام بالدستور والقانون.

وهذا التحول ضروري أيضاً لإعادة بناء ثقة السودانيين في الدولة. فالمواطن لن يثق في مؤسسة أمنية يرى أنها تتغير تبعاً لموازين القوى المسلحة، ولن يثق في قانون يُطبق على الضعفاء ويستثني الأقوياء، ولن يؤمن بدولة يرى فيها أن الطريق إلى السلطة يمر عبر البندقية.

الدولة التي نريدها يجب أن تجعل القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمواطنة أقوى من الانتماءات الضيقة. لا يمكن أن يكون هناك سودانيون يملكون حقاً أكبر في الدولة لأنهم ينتمون إلى مؤسسة مسلحة، أو لأنهم يملكون القدرة على فرض شروطهم بالقوة، بينما يبقى المواطن المدني مجرد متلقٍ لقرارات الآخرين.

ومن هنا أيضاً يجب أن يتغير موقع الشباب في المعادلة الوطنية. السودان لا يحتاج إلى جيل آخر يتعلم كيف يحمل السلاح، بل إلى جيل يتعلم كيف يبني الدولة. يحتاج إلى جامعات تعمل، ومدارس تستعيد دورها، ومشروعات إنتاجية، وفرص عمل، ومؤسسات ثقافية وعلمية، وبيئة سياسية تسمح للشباب بالمشاركة من خلال الفكر والعمل والتنظيم المدني، لا من خلال التجنيد العسكري.

إن كل شاب يُقتل في الحرب لا يمثل خسارة لعائلته وحدها؛ إنه خسارة للدولة التي تحتاج إلى طاقته، وللمجتمع الذي يحتاج إلى علمه، وللاقتصاد الذي يحتاج إلى عمله، وللمستقبل الذي كان يمكن أن يبنيه. لذلك فإن حماية الشباب من التجنيد والاستغلال العسكري ليست قضية إنسانية فقط؛ إنها جزء من الأمن القومي السوداني.

ولا يمكن أن تنتهي دورة العنف من دون عدالة. فالدولة التي تريد أن تمنع تكرار الجرائم يجب أن تعرف ما حدث، وأن تحفظ ذاكرة الضحايا، وأن تلاحق المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وأن تضمن حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وأن تضع ضمانات مؤسسية تمنع تكرار الجرائم. المصالحة الحقيقية لا تعني محو الذاكرة، والسلام المستدام لا يعني الإفلات من المسؤولية.

كما أن بناء السلام لا ينبغي أن يتحول إلى إعادة تدوير للنخب المسلحة نفسها. السلام الذي يعيد توزيع المناصب بين أصحاب السلاح قد يوقف معركة مؤقتاً، لكنه لا يبني دولة. أما السلام الذي يعيد الاعتبار للمواطن والمؤسسات والقانون، ويمنح المجتمع المدني والشباب والنساء والضحايا والمجتمعات المتضررة موقعاً حقيقياً في صياغة المستقبل، فهو الذي يستطيع أن يغير مسار البلاد.

السودان أمام لحظة تاريخية لا تسمح بإعادة إنتاج الأخطاء نفسها. لقد أثبتت التجربة أن القوة المسلحة يمكن أن تكسب معركة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة. ويمكن لجماعة أن تسيطر على مدينة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تصنع شرعية دائمة. ويمكن للسلاح أن يفرض الخوف، لكنه لا يستطيع أن يصنع المواطنة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية التي يحتاج إليها السودان ليست معركة البحث عن قوة مسلحة أكثر قدرة على هزيمة قوة أخرى، وإنما معركة الانتقال من دولة تتنافس فيها مراكز القوة إلى دولة تحتكر فيها المؤسسات الوطنية استخدام القوة وفق القانون، ومن مجتمع يُستدعى إلى الحرب إلى مجتمع يشارك في صناعة السلام، ومن نظام يقوم على الوصاية إلى نظام يقوم على المواطنة.

إن السودانيين لا يحتاجون إلى من يحكمهم باسم حمايتهم، ولا إلى من يقاتل نيابة عنهم، ولا إلى من يقرر لهم مستقبلهم من خلف أبواب المؤسسات الأمنية. يحتاجون إلى دولة تكون مؤسساتها خادمة للمجتمع، وتكون مواردها ملكاً عاماً، ويكون قانونها فوق الجميع، ويكون قرارها السياسي نابعاً من الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية.

وهذا هو المعنى الحقيقي لإنهاء الحرب: ألا نكتفي بإيقاف إطلاق النار، بل أن نمنع إنتاج الظروف التي تجعل إطلاق النار ممكناً مرة أخرى. وألا نكتفي بتفكيك قوة مسلحة، بل أن نبني نظاماً سياسياً ومؤسسياً يجعل ظهور قوة مسلحة جديدة أمراً غير ممكن من الناحية القانونية والمؤسسية والسياسية.

السودان لا يحتاج إلى توازن بين المليشيات، بل إلى نهاية عصر المليشيات. ولا يحتاج إلى وصاية أمنية جديدة، بل إلى سيادة الشعب. ولا يحتاج إلى مؤسسات تحكمه من فوق، بل إلى مؤسسات تعمل تحت القانون وتحت الرقابة العامة. ولا يحتاج إلى شباب يموتون من أجل صراعات السلطة، بل إلى دولة تجعل حياة شبابها أعظم قيمة من أي مكسب سياسي أو عسكري.

إن الطريق إلى السودان الجديد لا يبدأ ببندقية جديدة، وإنما بإعادة بناء مفهوم الدولة نفسه: دولة لا يسيطر فيها أحد على الآخرين بقوة السلاح، ولا يتحول فيها الجيش أو الجهاز الأمني إلى سلطة فوق المجتمع، ولا تصبح فيها موارد البلاد ملكاً لمراكز النفوذ، ولا يُطلب من المواطن أن يثبت وطنيته بالموت.

السودان الذي يستحقه أبناؤه هو السودان الذي يستطيع فيه كل مواطن أن يكون شريكاً كاملاً في وطنه، من دون وصاية، ومن دون تمييز، ومن دون أن يحتاج إلى مليشيا تحميه أو قائد يمنحه حقه. السودان الذي تكون فيه الدولة ملكاً للشعب، والمؤسسات في خدمة الشعب، والقانون فوق الجميع، والسلاح في يد مؤسسة وطنية مهنية تخضع للقانون ولا تحكم باسم القوة.

لقد حان الوقت لكي يتوقف السودان عن إنتاج المقاتلين وأن يبدأ في إنتاج المواطنين؛ أن يستعيد شبابه من ساحات الحرب إلى ميادين التعليم والعمل والإبداع، وأن يستعيد مؤسساته من منطق القوة إلى منطق القانون، وأن يستعيد دولته من الوصاية إلى السيادة الشعبية.

فالمستقبل لن يُبنى بمليشيا جديدة، ولا بانتصار طرف مسلح على طرف آخر، وإنما ببناء دولة لا يحتاج فيها أحد إلى المليشيا أصلاً.

ذلك هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يجعل موت شباب السودان نهايةً لدورة الحرب، لا بدايةً لحرب أخرى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى